المعضلة المصرية في “أرض الصومال”: بين خطط إسرائيل الكبرى وعسكرة البحر الأحمر

كتب هانى الكنيسى:
وبينما العالم منهمك في متابعة دراما خطف مادورو وزوجته من فراشهما المحصّن في مجمع ‘بويرتا تيوني’ بقلب العاصمة الفنزويلية، ونقله مصفّدا في الأغلال إلى زنزانة في نيويورك تمهيدا لمحاكمته أمام القضاء الأمريكي “الشامخ” برئاسة قاضي يهودي أصولي (هكذا يوصف في الإعلام الأمريكي والعبري) مخضرم، تتواتر التقارير عن دراما “إقليمية” موازية على ضفتي باب “مندب” البحر الأحمر، بين اضطرابات على ضفته الشرقية في جنوب اليمن (حسمتها مبدئيا القوة العسكرية لدرع الجزيرة المدعوم سعوديًا على حساب قوات المجلس الانتقالي “الانفصالي” المدعوم إماراتيا والمنهزم ميدانيا ومعنويا)، وبين مظاهرات واشتباكات على ضفته الغربية في إقليم “صوماليلاند” احتجاجًا على إعلان إسرائيل الاعتراف بدولة “أرض الصومال”. وهو الاعتراف الذي أدانته دول الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية وتركيا، واستساغته واشنطن من قبيل “حق إسرائيل في إقامة ما تشاء من علاقات دبلوماسية”.
تناقلت وسائل إعلامية أنباءً عن نزول مئات أو آلاف المتظاهرين في مدن الإقليم مثل ‘بوراما’ و’لاسعانود’، حاملين الأعلام الصومالية والفلسطينية، ومرددين هتافات ترفض الانفصال وتندد بالتعاون مع إسرائيل، واكبتها مظاهرات مماثلة في مقديشو عاصمة الصومال (الفيدرالي)، وتزامنت معها اشتباكات في إقليم أودال (غربي “أرض الصومال”) بين قوات الإقليم ومجموعات وحدوية ترفض أي علاقة مع إسرائيل.

الإعلام العبري تحدث عن “أصابع استخباراتية لدول أجنبية”، والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود وصف الخطوة الإسرائيلية بأنها “تهديد للاستقرار في القرن الأفريقي”، ملمحاً إلى إمكانية اتخاذ إجراءات عسكرية لحماية سيادة بلاده ومصرّحًا بمخاوفه من خطط سرية لاستضافة “أرض الصومال” قواعد عسكرية إسرائيلية، ولتوطين الفلسطينيين المهجرين من غزة مقابل هذا الاعتراف، وهو ما نفته حكومة الإقليم الانفصالي بشدة.
إقليم “أرض الصومال” -الذي يملك جيشاً منفصلا وعملة محلية ونظاماً انتخابياً مستقلاً عن الحكومة الفيدرالية في مقديشو- كان في السابق محمية بريطانية أعلنت استقلالها في يونيو 1960، واعترفت بها أكثر من 30 دولة آنذاك (في مقدمتها إسرائيل)، لكنها لم تستمر ككيان مستقل سوى خمسة أيام قبل أن تنضوي “طواعيةً” في اتحاد مع “الصومال الإيطالي” (الجنوب) لتشكيل جمهورية الصومال. وفي عام 1991، أعلن قادة عشائر الإقليم إلغاء الوحدة مع الجنوب وقيام جمهورية “أرض الصومال” من جانب واحد، والتي لم تعترف بها أي دولة عضو في الأمم المتحدة حتى يوم 26 ديسمبر الماضي عندما أجرى النتنياهو مكالمة فيديو مع رئيس الإقليم عبد الرحمن محمد عبد الله ليبشّره بقرار الاعتراف الإسرائيلي بدولته ويعده بالدعم الكامل.
وبحسب تقارير غربية وإسرائيلية، لم تتوقف تل آبيب منذ 1991 عن بناء قنوات اتصال هادئة وسرية مع “أرض الصومال”، وانخرط الطرفان في تعاون استخباراتي طويل الأمد، كلّلته زيارات سرية قام بها قادة من الإقليم إلى إسرائيل خلال عام 2025، حيث التقوا مسؤولين سياسيين وأمنيين بارزين وناقشوا خططا لتفعيل التعاون “رسميًا” -حسبما نقلت مواقع عبرية مثل ‘واللا’، و’يسرائيل هيوم’.
المصلحة الاستراتيجية لإسرائيل واضحة؛ فأرض الصومال تطل على خليج عدن وباب المندب، أحد أخطر مفاتيح الملاحة العالمية، وتقع على مسافة قصيرة من مناطق سيطرة الحوثيين في اليمن. “من ميناء بربرة، يمكن مراقبة حركة السفن، ورصد إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتقليص زمن التحركات العسكرية” حسبما نقلت ‘يديعوت أحرونوت’ عن خبراء إسرائيليين.
أما اختفاء الإمارات (الشريك الغائب الحاضر) عن بيانات الإدانة العربية والأفريقية للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، فتفسّره ببساطة استثمارات أبو ظبي بكثافة في ميناء ومطار بربرة، وتحويلهما عمليًا إلى مرافق لوجستية ذات طابع عسكري، في إطار استراتيجية إماراتية أوسع للتمدد عبر الموانئ ونقاط الاختناق البحرية من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي، غالبًا خارج سلطة الحكومات المركزية الضعيفة.
وبذلك لا يتبقى في هذه المعادلة الجيوسياسية من اللاعبين “المحوريين” سوى مصر والسعودية، وكلتاهما تعتبر البحر الأحمر “خطا أحمر”، وكلتاهما ترى تطور العلاقة بين إسرائيل و”أرض الصومال” من منظور التهديد الأمني المباشر.

والحقيقة أنه لا يمكن فصل ذلك كله عن المشهد الأوسع لعسكرة البحر الأحمر الذي تعامله مصر معاملة الضلع الحدودي وأهم روافد دخلها من قناة السويس، وتحرص السعودية على تكريسه كزمام عربي منذ تأسيسها «مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» عام 2020، كما لا يمكن فصله عن التنافس الإقليمي والدولي المحموم على “مفاتيح” شريان الملاحة العالمية الحيوي بين الولايات المتحدة التي يتحرك أسطولها في مجراه تحت عنوان عملية “حارس الازدهار”، وبقايا الاستعمار الأوروبي ممثلا في الحضور البريطاني والفرنسي بقطع حربية بين شطآنه وبقواعد في القرن الأفريقي، والصين التي تحتفظ بقاعدة في جيبوتي، وروسيا التي تلهث لوجود بحري في بورتسودان (وعدتها الخرطوم بقاعدة)، وإيران الحاضرة عبر الحوثيين في شمال اليمن، ناهيك عن تحركات الإمارات الأخطبوطية وتوغلات إسرائيل الثعبانية.
