اجتياح فنزويلا: حين يخلع الإمبراطور القناع… وعلاقة ذلك للسودان

كتب محمد إسماعيل:
قررت التوقف عن مقالات النيوليبرالية مؤقتا للتعليق على ماجرى فى فنزويلا. ما جرى في فنزويلا ليس مجرد “عملية عسكرية” تُضاف إلى أرشيف التدخلات الأميركية، بل لحظة فاضحة تكشف كيف تُصنع الشرعية الدولية اليوم وكيف تُسحب، وكيف يمكن أن يتحول بلدٌ كامل إلى ساحة تجريب لفكرة قديمة ترتدي لباساً جديداً: أن سيادة دول الجنوب ليست حقاً أصيلاً، بل امتيازاً مؤقتاً يُمنح ويُسحب بحسب ميزان القوة. التقارير المتطابقة من مصادر دولية تحدثت عن ضربات/عملية أميركية داخل فنزويلا، وعن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة “قبضت” على الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، بينما وصفت الحكومة الفنزويلية ما جرى بأنه “عدوان عسكري” وأعلنت حالة طوارئ وطنية.
الأخطر من الحدث نفسه هو المسار الذي سبقه، لأن التدخلات الكبرى لا تبدأ بالقنابل، بل تبدأ بإعادة هندسة الصورة: من هو “الشرعي” ومن هو “غير الشرعي”، من هو “الديمقراطي” ومن هو “الديكتاتور”، من هو “الأمل” ومن هو “العقبة”. هذا التمهيد يتم عبر حزمة أدوات ناعمة تبدو أخلاقية، لكنها سياسية حتى العظم: الاعترافات الدبلوماسية الانتقائية، حملات الإعلام، مؤسسات “الديمقراطية”، ثم صناعة رموز بديلة تُقدَّم للعالم كحل جاهز. في حالة فنزويلا، تتبدى هذه الهندسة الرمزية في المسار الذي انتهى إلى منح جائزة نوبل للسلام لعام 2025 لزعيمة معارضة فنزويلية (ماريا كورينا ماتشادو)، وهو حدث جرى تقديمه كتكريم لنضال “ديمقراطي” ضد “الديكتاتورية والفساد”، مع تغطيات واسعة حول رمزيته السياسية داخل فنزويلا وخارجها.
هنا لا أتحدث عن نوايا شخص بعينه، ولا أحاكم استحقاقاً أخلاقياً فردياً، بل أقرأ وظيفة سياسية متكررة: حين يُرفع شخص إلى مرتبة “رمز عالمي للسلام” في لحظة صراع داخلي حاد، فإن ذلك لا يبقى في حدود التكريم المعنوي، بل يتحول إلى “تأمين شرعي” لأي مشروع تغيير يُراد له أن يبدو نظيفاً، حتى إن جاء على ظهر دبابة. تصبح الجائزة – أو أي شكل من أشكال التقديس الدولي – جزءاً من عملية نزع الشرعية عن السلطة القائمة، وخلق تصور مبكر بأن البديل مُعدٌّ سلفاً ويمتلك شهادة حسن سلوك من العالم “المتحضر”. هذه هي الحرب الرمزية: تمهيدٌ أخلاقي لإجراء سياسي، وربما عسكري، يُقدَّم لاحقاً بوصفه “تصحيحاً” لا عدواناً.
لكن ما فعله ترامب في فنزويلا – وفق ما نُشر – لا يكتفي بالأدوات النيوليبرالية “المعتادة” التي تُنهك الدول تدريجياً عبر العقوبات والضغوط المالية وتخفيض القدرة الشرائية وإغلاق منافذ التمويل، ثم الانتظار حتى يسقط النظام أو يلين. ما نراه هنا هو انتقال إلى أسلوب أشد فجاجة وأسرع إيقاعاً: سياسة لا تصبر طويلاً على “التآكل البطيء”، بل تقفز إلى الفعل الخشن حين ترى أن الزمن لا يخدمها أو أن الكلفة السياسية للانتظار أعلى من كلفة الضربة. وهذا لا يعني أن النيوليبرالية اختفت؛ بل يعني أنها ارتدت خوذة. الأدوات الناعمة بقيت كإطار، لكن تم دفعها إلى نهايتها المنطقية: حين لا يفتح الحصار الباب، يُكسَر الباب.
هذا الأسلوب يمكن وصفه – دون تجميل – بأنه عودة إلى “إمبريالية الصدمة” بأدوات القرن الحادي والعشرين: ضربة سريعة تُربك الداخل، ثم محاولة إعادة ترتيب المشهد السياسي، ثم فتح الطريق أمام إعادة هيكلة الاقتصاد تحت عنوان “الإنقاذ” أو “الاستقرار”. كثيرون في الغرب ذاته يناقشون الآن علناً مسألة القانون الدولي وشرعية العملية، وبعض التقارير ربطت العملية باتهامات أميركية تتعلق بـ“ناركو-إرهاب” وملاحقات قضائية، ما يعني أن التدخل لم يُقدَّم فقط كعمل عسكري بل كجزء من سردية “عدالة” عابرة للحدود.
المشكلة أن هذه السردية – أيّاً كان موقفك من مادورو – تُحوّل القانون إلى أداة في يد الأقوى، لا إلى معيار على الجميع. عندما تقرر دولة عظمى أنها تستطيع اعتقال رئيس دولة ونقله للمحاكمة وفق سرديتها الخاصة، فهي عملياً تقول إن السيادة ليست سقفاً، وإن تعريف “العدالة” ليس نتاج اتفاق دولي بل نتاج تفوق عسكري. هنا تتكشف راديكالية الحقيقة: ما يسمى “النظام الدولي” يعمل كمنظومة مُسيّجة؛ يسمح بالسيادة حين لا تتعارض مع المصالح، وينقضها حين تعارضها، ثم يكتب على الركام خطاباً أخلاقياً كي يبدو الانتهاك واجباً حضارياً.
ولأن فنزويلا بلد نفطي استراتيجي، فإن أي قراءة جادة لا تستطيع فصل العنف عن الاقتصاد. لا أزعم أن النفط وحده يفسر كل شيء، لكنني أقول إن الموارد تجعل التدخل قابلاً للاستثمار، والاستثمار يجعل التدخل قابلاً للتكرار. بعد الضربة لا تأتي فقط السياسة، يأتي “سوق ما بعد الصدمة”: إعادة إعمار، تعاقدات، إعادة هيكلة قطاع الطاقة، إعادة ربط النظام المالي، وتحديد من يملك حق الوصول إلى الثروة. هكذا تتحول الحرب من “استثناء” إلى بوابة اقتصادية. وما دام الباب الاقتصادي مفتوحاً، فإن منطق “الصدمة” يصبح مغرياً: مرة واحدة تكسر البنية القائمة، ثم سنوات من إعادة ترتيب المصالح.
الآن، لماذا هذا مهم للسودان؟ لأن السودان، مثل فنزويلا، بلد موارد في بيئة دولة هشّة، لكن هشاشته أعمق بسبب الحرب والانقسام وتعدد مراكز القوة. وما دام السودان يعيش حالة “دولة بلا مخالب” على الأرض – لا احتكار للسلاح، لا سيطرة على الحدود، لا شفافية موارد، لا عقد اجتماعي مستقر – فإنه يصبح عرضة لنموذج التدخل بأشكال مختلفة، قد لا تبدأ بالغزو المباشر، بل تبدأ بالتدويل، ثم بالضغط، ثم بإنتاج بدائل “شرعية” خارجية، ثم بإغراق الداخل في اقتصاد إغاثة طويل النفس يُطبع فكرة أن البلد ملف إنساني لا مشروع دولة. الفنزويلي هنا ليس غريباً عنا: إنه مرآة تقول إن من يترك شرعيته تتآكل، ومؤسساته تتفكك، وموارده تتسرب، يصبح قابلاً لأن يُدار من الخارج بجرعات متفاوتة من القوة.
والسودان تحديداً يحمل “إغراءات” التدخل أكثر مما نحب الاعتراف: موقع استراتيجي، ممرات، ذهب، أراضٍ زراعية، وحدود مفتوحة، وحرب تجعل أي جهة قادرة على تسويق تدخلها بوصفه “إنقاذاً” أو “مكافحة إرهاب” أو “حماية مدنيين” أو “تأمين ممرات”. الخطر ليس أن أميركا ستكرر فنزويلا حرفياً في السودان، بل أن منطق فنزويلا يكشف شيئاً أكبر: حين تقرر القوى الكبرى أن تتجاوز قواعدها المعلنة، فإنها تفعل ذلك بسرعة، وتفرض على العالم تفسيراً لاحقاً، لا إذناً مسبقاً.
ثم هناك الدرس الأكثر مرارة: كيف يُستخدم “الرمز” في صناعة التدخل. كما مُهّد لفنزويلا بتضخيم البدائل وتلميعها دولياً، يمكن لأي بلد هش أن يُعاد ترتيب نخبه بهذه الطريقة: يصير “البديل” مشروعاً خارجياً قبل أن يكون مشروعاً وطنياً. في السودان، عشنا – وما زلنا نعيش – صراع الشرعية: من يمثل الناس؟ من يملك تفويضاً؟ من يملك السلاح؟ في لحظات الفراغ، يصبح من السهل على الخارج أن يختار من يراه مناسباً، ثم يلبسه ثوباً أخلاقياً ويقول: هذا هو صوت الشعب. الخطر هنا ليس فقط في الخارج، بل في قابلية الداخل للاستدعاء: حين لا تكون لدينا مؤسسات تمثيل حقيقية، يصبح تمثيلنا قابلاً للاستيراد.
سياسة ترامب – كما تظهر في هذا الحدث – تُعيد إلى الواجهة مدرسة قديمة كانت النيوليبرالية تحاول أن تديرها بقدر من “التهذيب”: مدرسة تقول إن الردع يكون بالمشهد الصادم، وأن القانون يُكتب بعد الفعل، وأن الهيبة تُصنع بالاقتحام. إنها ليست “سياسة جديدة” تماماً، لكنها نسخة أكثر صراحة من تقليد أميركي طويل في أميركا اللاتينية، إلا أنها الآن أقل حرجاً وأكثر استعداداً لكسر الأعراف التي كانت تُحفظ شكلياً.
ولذلك فإن الحديث عن “ما بعد النيوليبرالية” لا ينبغي أن يُفهم بوصفه نهاية النيوليبرالية، بل بوصفه دخولها مرحلة أكثر عنفاً حين تعجز عن تحقيق أهدافها بالطريقة الناعمة. النيوليبرالية لا تكره الدولة مطلقاً؛ هي تكره الدولة التي تحمي الناس من السوق، لكنها تحب الدولة التي تحمي السوق من الناس. وإذا لم تتوفر الدولة المحلية لهذه المهمة، تُستدعى القوة الخارجية لتقوم بالدور: ضبط، إعادة ترتيب، ثم تسليم الاقتصاد لمن يملك القدرة على تشغيله وفق شروط المنظومة.
ما الذي ينبغي أن نأخذه نحن – كسودانيين وكأبناء جنوب – من هذا كله؟ ليس أن نتحول إلى ذعر دائم، ولا أن نرى العالم مؤامرة واحدة، بل أن نفهم الحقيقة البسيطة والراديكالية: السيادة لا يحميها “حسن السلوك” وحده، ولا يحميها الخطاب، ولا تحميها الوعود الدولية، بل تحميها مناعة الداخل. مناعة الداخل تعني مؤسسات، وشفافية موارد، واقتصاد إنتاجي، وشرعية شعبية، وبناء قدرة تفاوضية تُغلق الباب أمام تحويل البلد إلى ملف قابل للكسر. إن لم نبنِ هذه المناعة، فإن الخارج سيبنيها لنا على طريقته: بطريقة تجعلنا تابعين، لا شركاء، وتجعل مواردنا “حلاً” لأزماتهم، لا أساساً لتنميتنا.
فنزويلا اليوم ليست مجرد خبر. هي إعلانٌ بأن القناع يمكن أن يسقط بسرعة حين تتغير الحسابات. والسودان، وهو يتألم تحت الحرب والانقسام، يحتاج أن يقرأ الرسالة بلا أوهام: العالم لا يمنحنا السيادة مجاناً، ولا يحترمنا لأننا على حق، بل يحسبنا ضمن ميزانه. وبقدر ما نبني داخلنا، بقدر ما نجعل كلفة العبث بنا أعلى من أرباحه.
