بين “طبول” الضربة الأمريكية لإيران واستحالات الحرب

كتب هانى الكنيسى : رب
مرة أخرى، تعيش منطقتنا أجواء الترقّب والتوتر، وسط مؤشرات ميدانية وسياسية توحي باقتراب “ضربة أمريكية ما” لإيران، يقابلها شبه إجماع على استبعاد شن حرب شاملة، ليس لأسباب أخلاقية أو سياسية، بل لعوائق لوجيستية وعسكرية وتعقيدات استراتيجية.
دقات “ساعة الصفر”: ماذا يجري داخل إيران؟
تشير معطيات ميدانية وتقارير استخباراتية متقاطعة إلى أن إيران دخلت ما يُعرف بـ«بروتوكول ساعة الصفر»، وهو إجراء أمني استثنائي نادر، يشمل إغلاقاً سيادياً شاملاً للمجال الجوي وحماية مكثفة للأصول الحساسة.
إذ جرى تأمين مقرات القيادة في منطقة ‘جماران’ شمال طهران (مقر إقامة المرشد الأعلى علي خامنئي)، وتحويلها إلى منطقة إطلاق نار حي. كما شملت الإجراءات إغلاقاً جوياً فوق مقر البحرية في بندر عباس، وتفعيل رادارات مضادة للصواريخ في سمنان، من بينها رادار ‘غدير’ المخصص لمراقبة الفضاء الخارجي.
وفي هذا السياق، صرّح رئيس أركان االجيش الإيراني ‘عبد الرحيم موسوي’ بأن “العدو أدخل في الأيام الأخيرة عناصر إرهابية ارتكبت أعمال عنف بالغة الخطورة”، مشيراً إلى أن طهران ترى نفسها في مواجهة نمط “هجين” من الحرب، “يجمع بين الضغط الداخلي والتخريب الأمني”.
طوارئ القواعد الأمريكية، واختبارات السماء الإقليمية
في المقابل، أفادت وكالة رويترز بأن عسكريين أمريكيين في قطر تلقوا أوامر بمغادرة قاعدة ‘العديد’، في خطوة تعكس استعداداً لاحتمالات التصعيد. كما دعت الهند مواطنيها إلى مغادرة إيران، أسوةً بالعديد من الدول الغربية كأستراليا وفرنسا والولايات المتحدة. وزعمت ‘معاريف’ العبرية أن حاملة طائرات أمريكية تتجه الآن نحو البحر الأحمر (وهو خبر لم تؤكده واشنطن رسميًا).
وعلى الصعيد الإقليمي، تم رصد نشاط جوي أمريكي “غير اعتيادي” فوق محافظات عراقية عدة، شمل مسيّرات وطائرات استطلاع، وغطى قوساً جغرافياً يمتد من غرب العراق إلى شماله وشرقه المحاذي لإيران، فيما وصفه مراقبون بأنه “اختبار مبكر للسماء” قبل عمل عسكري محتمل.
وفي إسرائيل التي فتحت أبواب الملاجئ أمام سكانها، أثار إقلاع طائرة رئيس الوزراء “جناح صهيون” فجأة (اليوم الأربعاء) من قاعدة ‘نفاتيم’ الجوية إلى وجهة غير معلومة (أشيع أنها هبطت في أحد مطارات قبرص)، “تساؤلات” حول “مغزى التوقيت”، برغم تأكيد مكتب النتنياهو أن “الرحلة في إطار التدريب الروتيني”. بينما رجّح الخبراء أن ذلك كان إجراءً احترازيا خشية إقدام إيران على قصف القاعدة الجوية، وهو ما حدث أيضاً في أول أيام حرب الـ12 يوماً بين إسرائيل وإيران في يونيو الماضي.
دبلوماسية “شد الحبل”، وتهديدات “الكواليس”
نقلت رويترز عن مسؤول إيراني “رفيع” أن طهران أجرت محادثات مع “دول الجوار” لمحاولة درء هجوم أمريكي محتمل، لكنه حذّر في الوقت ذاته من أن “إيران ستقصف القواعد الأمريكية في المنطقة إذا تعرّضت لهجوم”.
ولم تتورع طهران عن تحذير جاراتها؛ السعودية والإمارات وتركيا، من أن أي ضربة ستضع القواعد الأمريكية على أراضيها في مرمى الرد الإيراني.
قلق الخليج “الحقيقي”، وتحفظات إسرائيل “الشكلية”
بحسب ‘وول ستريت جورنال’، نقلت السعودية وقطر وسلطنة عمان إلى الإدارة الأمريكية، مخاوف جدية من أن أي هجوم واسع على إيران قد يؤدي إلى زعزعة أسواق النفط العالمية وإلحاق ضرر مباشر بالاقتصاد الأمريكي نفسه. لذلك، التزمت هذه الدول موقفاً حذراً، ظهر جليًا في نبرتها المحايدة وفي امتناع أبواقها عن التصعيد “الإعلامي” أو التركيز على “ضحايا الاحتجاجات”.
أما إسرائيل، التي اتسمت ردود أفعالها “الرسمية” بالكثير من التحفظ وانتقاء الكلمات -على غير العادة- وركّزت بياناتها على الاستعدادات الأمنية والعسكرية للتصدي لأي هجوم “استباقي” من إيران، فقد نقلت شبكة ‘ان بي سي’ NBC الأمريكية عن مسؤولين مقربين من حكومتها قولهم إن “التقارير الاستخباراتية تشير إلى أن النظام الإيراني لم يضعف بعد إلى الحد الذي يسمح بتوجيه ضربة قاضية تطيح به” .. وهذا ربما ما يفسر ما تداوله الإعلام عن “نصائح بالتريث وصلت من تل آبيب إلى واشنطن (بالتناقض مع تسريبات حول إفادات النتنياهو المنتظمة لكفيله ترمب عن ارتفاع أعداد القتلى في صفوف المتظاهرين الإيرانيين بأرقام أكبر بكثير من المعلن في بيانات طهران، و”تسخينه باستمرار للوفاء بتعهداته السابقة بالتدخل لحماية المدنيين من وحشية الحرس الثوري”.
مشاورات الإدارة الأمريكية وإنذارات ترمب البرتقالية
تردد المصادر الأمريكية أن ترمب -الذي هدّد بعمل قوي في حال شنق المتظاهرين المعتقلين، ودعا المحتجين إلى النزول للشارع بل “و السيطرة على المؤسسات الحكومية”- يدرس فعليًا خيار العمل العسكري، وأن مسؤولي البيت الأبيض والأمن القومي يعكفون على دراسة تقييمات استخباراتية للوضع في اجتماعات متواصلة على مدار الساعة.
لماذا يُستبعد سيناريو الحرب الشاملة؟
يكتب ‘دان صباغ’ محرر الدفاع والأمن في ‘الغارديان’ البريطانية، أن واشنطن قلّصت وجودها العسكري في المنطقة خلال الأشهر الماضية، ولم تنشر أي حاملة طائرات في الشرق الأوسط منذ أكتوبر 2025. وهذا يعني أن أي ضربة ستعتمد على قواعد عسكرية إقليمية تحتاج إلى موافقات سياسية، وقد تعرّض الدول المضيفة لردود انتقامية.
ويوضح أن إيران، ورغم تضرر دفاعاتها الجوية خلال حربها مع إسرائيل، لا تزال تمتلك نحو 2000 صاروخ باليستي، ومنصات إطلاق مدفونة في الجبال، قادرة – إذا أُطلقت بكثافة – على تجاوز الدفاعات الأمريكية والإسرائيلية.
وهنا يبرز السؤال المركزي: ماذا ستقصف الولايات المتحدة في إيران؟ فالاحتجاجات منتشرة في عموم البلاد، والاستهداف الدقيق في مناطق حضرية يحمل مخاطر سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، ما قد يمنح النظام الإيراني ذريعة لتوحيد الداخل خلفه، وهو “سيناريو لوحظ سابقاً عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية في يونيو”.
بينما تحذر الباحثة ‘روكسان فرمانفرمائيان’ من معهد الخدمات الملكية المتحدة من “المبالغة” في تقدير هشاشة النظام الإيراني، مؤكدة أن “في طهران حكومة وجيشاً وجهاز أمن متماسكين بشكل واضح”.
حتى خيار اغتيال المرشد الأعلى، رغم طرحه نظريًا -على غرار عملية ‘مادورو’-سيُعد تصعيداً قانونياً وعسكرياً خطيراً، فضلا عن أنه لا يضمن تغيير النظام، خاصة مع “استعدادات طهران المسبقة لانتقال السلطة في حال غياب المرشد”.
بين التهديد والواقع
في المحصلة، تبدو واشنطن عالقة بين منطق الردع “الاضطراري”، ومنطق تعقيدات الواقع. وبرغم أن مؤشرات ما قبل الضربة تبدو حقيقية وتزداد زخما ساعةً بعد أخرى، إلا أن كلفة الحرب الشاملة تفوق مكاسبها المحتملة، من وجهة نظر صانعي القرار (حتى اللحظة على الأقل).
لهذا، يظل السيناريو الأرجح: “ضربة عسكرية محدودة” أو تفعيل “أدوات ضغط غير تقليدية” (كالاجتياح السيبراني) بموازاة تصعيد “العزلة السياسية والخنق الاقتصادي)، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
ويبقى وعد ترمب بأن “المساعدة في الطريق”، أقرب إلى “خطاب تعبوي” منه إلى خطة قابلة للتنفيذ في مشهد بالغ التعقيد وصعب التكهن بعواقب امتداد نيرانه إلى خارج الحدود الإيرانية .
