كلفة التردد

معتز منصور – باحث سياسي
ليست الأزمات الكبرى تلك التي تنفجر فجأة، بل تلك التي تستقر طويلا عند حافة القرار. في المشهد الحالي بين الولايات المتحدة وإيران، تتجلى هذه الحقيقة بوضوح: لا تكون المشكلة في غياب الخيارات، بل في تضخمها، وليست في ضعف القدرة، بل في محدوديتها على تحويل الفعل إلى نتيجة مستقرة. هنا يتشكل مأزق القوة الحديثة، حين تصبح الدولة القادرة عسكريا، كما هو الحال مع واشنطن، غير قادرة على ضبط مسار الأحداث الذي يلي استخدام هذه القدرة.
في هذا الإطار، لا يكفي السؤال التقليدي: هل ستقع الحرب، أم متى ستقع؟ الأكثر دلالة هو أسباب التردد ذاته، والتحول التدريجي للتهديد من أداة ردعية إلى نمط إدارة دائم.
تصريحات إيران الأخيرة بأن أي ضربة محدودة تعني حربا شاملة، وتحركات الحلفاء الأميركيين في المنطقة، تظهر أن القدرة على الضرب ليست دائما مقياسا للنجاح الاستراتيجي.
الخطر الحقيقي يكمن في محدودية القدرة على التحكم بتداعيات الضربة بعد وقوعها، خصوصا في بيئة متعددة الساحات كهذه، حيث الرد الإيراني لا يقتصر على المجال العسكري بل يشمل الساحات السياسية والإقليمية.
النموذج الكلاسيكي لاستخدام القوة افترض تسلسلا واضحا: قرار، ضربة، نتيجة، ثم استقرار جديد. هذا النموذج تآكل في مواجهة إيران، التي لا تسعى إلى الحسم السريع، بل إلى الإطالة، ولا تستهدف الجيوش الأميركية أو الإسرائيلية بقدر ما تستهدف إرادة واشنطن وقدرتها على التحمل السياسي والاستراتيجي. في هذا السياق، لم تعد الحرب حدثا استثنائيا، بل حالة ممتدة، والنصر العسكري لا يضمن السيطرة، بل مرحلة قابلة للتآكل عبر سلسلة من الردود المتعددة.
الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تمتلك قدرة غير مسبوقة على الضرب من حيث الانتشار والتقنية وسرعة التنفيذ، لكن هذه القدرة تواجه قيودا في تحقيق المكاسب المستدامة أمام خصم لا يهدف إلى الهزيمة المباشرة، بل إلى الاستنزاف التدريجي. الضربة الجوية أو البحرية قد تحقق نجاحا تكتيكيا، لكنها قد تولد سلسلة ردود غير مباشرة: تهديد الملاحة، الهجمات السيبرانية، الضغط على الحلفاء الإقليميين، أو حتى تحريك جماعات مسلحة في ساحات ثالثة. كل ذلك يرفع كلفة الضربة ويحد من فعاليتها السياسية.
العامل الزمني يحتل موقعا مركزيا. في الصراعات التقليدية، كان الزمن يعمل لصالح الطرف الأقوى. أما اليوم، في مواجهة إيران، يصبح الزمن عبئا على القوة الكبرى: كل يوم من الوجود العسكري المكثف في المنطقة يستهلك جاهزية القوات ويضغط على الموارد ويزيد الاحتكاك السياسي داخليا وخارجيا. الزمن هنا ليس مجرد عامل تكتيكي، بل أداة استراتيجية يستخدمها الخصم لاستنزاف إرادة الطرف الأقوى دون خوض مواجهة مفتوحة تقليدية.
ضمن هذه البيئة، تتحول التهديدات والتحركات الرمزية إلى بديل عن القرار المباشر. إبقاء القوات في حالة استعداد دائم، إدارة التوتر عبر التصريحات والتحركات العسكرية المحدودة، وتحريك القوة دون استخدامها، تصبح أدوات لتحقيق أقصى ضغط بأقل التزام. غير أن هذه الاستراتيجية تحمل تناقضا بنيويا: فهي تعتمد على القدرة على الوقوف عند الحافة دون الانزلاق، وهو أمر غالبا غير ممكن، كما أظهرت الأزمات السابقة في المنطقة.
الخصوم الذين يجيدون هذا النمط، مثل إيران، لا يواجهون القوة بالقوة المباشرة، بل يعقدون البيئة المحيطة بها. الرد لا يكون فوريا ولا متماثلا ولا محصورا في ساحة واحدة، بل موزعا زمنيا وجغرافيا، ومصمما بحيث يصعب عزله أو تبرير الرد عليه بضربة واحدة. النتيجة أن أي خطوة أميركية أو إسرائيلية محسوبة يمكن أن تطلق سلسلة من التفاعلات غير المتوقعة، مما يحول الصراع إلى شبكة استنزاف طويل الأمد.
من هذا المنظور، تتلاشى فكرة الضربة المحدودة كخيار نظيف. أي استخدام للقوة يقع داخل شبكة معقدة من التوازنات والساحات المتداخلة. ما يبدو عملية عسكرية محصورة قد يتحول إلى مسار مفتوح بلا سقف زمني واضح. الفارق بين النجاح العسكري والفشل الاستراتيجي يظهر هنا جليا: الأول ممكن بسرعة، أما الثاني فهو تراكمي، يظهر أثره مع مرور الوقت على السياسة والقدرة العسكرية والدبلوماسية.
القوى الكبرى عبر التاريخ لم تتآكل فقط بالهزائم المباشرة، بل بانخراطها في صراعات لم تستطع الخروج منها دون خسائر تفوق مكاسبها. في الحالة الأميركية–الإيرانية–الإسرائيلية، يكفي إبقاء الخصم في حالة استنفار دائم، مع إدارة أزمات متعددة في الوقت نفسه، لإحداث ضغط استراتيجي هائل دون ضرب مباشر. وهذا يوضح أهمية البعد الاستراتيجي الشامل للقرارات العسكرية والسياسية، إذ لم تعد النتائج تُقاس في أيام أو أسابيع، بل في شهور وسنوات.
في هذا السياق، يؤدي الاستعراض العسكري وظيفة سياسية ونفسية بقدر ما يؤدي وظيفة ردعية. غير أن إطالته تفقده تدريجيا أثره، وقد يحول الاستعراض إلى مؤشر تردد. عند هذه النقطة، تواجه القوة الكبرى معضلة مزدوجة: استخدام القوة ينطوي على مخاطر توسع غير قابل للضبط، والامتناع عن استخدامها ينطوي على تآكل في المصداقية والردع. لا يوجد خيار منخفض الكلفة، وكل مسار يحمل تكلفة استراتيجية واضحة.
في السياق الأوسع، يتضح أن مأزق القرار هذا لم يعد استثناء، بل صار سمة من سمات النظام الدولي الراهن. عالم متعدد الساحات، منخفض العتبة، عالي التعقيد، لا يكافئ الحسم السريع بقدر ما يعاقب من يفشل في إدارة العواقب. القوة، في هذا العالم، لم تعد تقاس فقط بما تستطيع فعله، بل بما تستطيع الامتناع عنه دون أن تخسر موقعها.
بهذا المعنى، لا تعبر إدارة الحافة عن ضعف أو تردد فقط، بل عن نظام دولي يعيش على التوتر أكثر مما يعيش على الحسم، حيث يصبح أخطر ما في استخدام القوة ليس فشلها، بل نجاح لا يمكن التحكم بنتائجه أو إغلاق مساراته.
