إبداعات عربيةالعرب وافريقياعاجلمقالات

كيف قاوم السودانيون الحرب بلا سلاح (4)

حين لا تنتهي الحرب عند حدودها… عن جيل يُطارد حتى في المنفى

بقلم: محمد اسماعيل

توقفتُ عن هذه السلسلة منذ رمضان الماضي. لم يكن التوقف قراراً فكرياً، بل كان عجزاً. في ذلك الشهر، فقدتُ صديقاً عزيزاً، أسامة سعيد، الذي وافته المنية في مدينة بلفاست. لم يصلني خبر وفاته فوراً. ظلّ في شقته يومين، وحيداً، قبل أن يُكتشف رحيله الذى اكتشفته بفقدى له واتصالى باصدقائه الاخرين مثل معتز ومحمد خليفة الذين لم يكن يعرفوا ان اسامة قد رحل. تلك الحقيقة، في حد ذاتها، كانت كافية لتُسكتني. لم أجد لغة أكتب بها، ولا معنى أعود إليه. كيف يمكن أن تواصل الكتابة عن صمود جماعي، بينما يموت صديقك في عزلة كاملة، بعيداً عن كل شبكة كانت يمكن أن تحميه؟

لم أكن أنوي العودة الآن. لكن خبر وفاة مزن النيل أمس أعادني إلى الكتابة، لا لأنني أعرفها معرفة شخصية، بل لأن شيئاً في قصتها، في حضورها، وفي الطريقة التي غادرت بها، فتح هذا الجرح من جديد – ولكن هذه المرة، ليس كحزن فردي، بل كسؤال عام.

تعرفتُ على مزن عبر الأسافير، كما تعرّف عليها كثيرون. لم تكن مجرد اسم عابر. كانت واحدة من أولئك الذين يكتبون ويتحدثون بوضوح لا يُهادن، وبصلابة نادرة في زمن المساومات. موقفها في مواجهة المحامي نبيل أديب لم يكن لحظة عابرة أو جدلاً شخصياً، بل كان تعبيراً عن موقف أخلاقي وسياسي واضح: الخوف من أن تُدفن قضايا الفساد، أن يُعاد تدوير النسيان، أن تُطوى صفحة الجرائم باسم “الواقعية” أو “التسوية”. في تلك اللحظة، لم تكن مزن تدافع عن قضية قانونية فقط، بل عن الذاكرة نفسها.

كانت مزن من الذين ابتدروا ميثاق سلطة الشعب، ومن الذين نادوا بالاشتراكية، لا كشعار، بل كتصور أخلاقي للعالم، كرفض للظلم البنيوي، وكإصرار على أن العدالة ليست ترفاً. في هذا، كانت تلتقي – فكرياً وإن لم يجمعني بها لقاء – مع أسامة. كلاهما كان يرى أن ما يحدث في السودان لا يمكن فصله عن منظومات أوسع: النيوليبرالية، الإمبريالية، وتحويل الغذاء والحياة نفسها إلى أدوات سيطرة.

أذكر أنني، حين كتبتُ عن البذور وعن النيوليبرالية الإمبريالية، وجدتُ صدى لتلك الأفكار في دوائر لم أكن أعرفها من قبل. وكتبتُت مزن لصديق الصفحة علاء الدين صديق مزن الصدوق، بناءً على كلامها أذا كنت أود أن أكتب مقالاً باللغة الإنجليزية لمؤسسة روزا لوكسمبورغ عن تجويع السودانيين أثناء الحرب. كان ذلك جزءاً من محاولة لفهم كيف تُستخدم الحياة نفسها – الغذاء، الزراعة، البقاء – كأدوات في صراعات أكبر من حدود الدولة.

اليوم، وأنا أفكر في مزن وأسامة، أجد نفسي أمام سؤال لا يمكن تجاهله: هل نحن أمام قصتين منفصلتين؟ شابة تموت في السودان، وشاب يموت في بلفاست؟ أم أننا أمام وجهين لحرب واحدة، تمتدّ أبعد من جغرافيتها، وتعيد تشكيل شروط الحياة والموت للسودانيين أينما كانوا؟

نحن معتادون على فهم الحرب بوصفها ما يحدث داخل حدودها: قصف، نزوح، جوع، دمار. لكن هذا الفهم، رغم صحته، ناقص. الحرب لا تنتهي عند آخر نقطة تفتيش، ولا عند حدود الدولة. الحرب، في حال السودان، أصبحت حالة ممتدة، تُنتج أشكالاً مختلفة من الموت. هناك الموت المباشر، الذي نراه ونحصيه، وهناك موت آخر، أكثر هدوءاً، أقل ظهوراً، لكنه لا يقل قسوة: موت العزلة، موت الانقطاع، موت أن تكون خارج كل شبكة يمكن أن تراك أو تحتويك.

أسامة لم يمت تحت القصف. لكنه، في معنى أعمق، لم يكن بعيداً عن الحرب. مات في مكان كان يفترض أن يكون آمناً، لكنه كان خالياً من تلك الشبكات التي رأيناها تعمل بقوة داخل السودان. في المقالات السابقة، كتبتُ عن كيف نهض المجتمع حين سقطت الدولة، وكيف تحوّل النزوح إلى فعل تنظيمي شبكي، وكيف أصبحت التكايا سياسة بديلة للغذاء. كل هذه الأشكال من الصمود كانت ممكنة لأن الناس كانوا معاً، لأن المجتمع – بكل تناقضاته – ظل موجوداً.

لكن ماذا يحدث حين يُفقد هذا المجتمع؟ حين يكون الإنسان خارج تلك الشبكة؟ حين لا يكون هناك جار يطرق الباب، ولا صديق يلاحظ الغياب، ولا تكية تُطعم، ولا أسرة تتمدد لتستوعب؟

هنا يظهر ما يمكن أن نسميه بالموت المؤجل، أو الموت الممتد. ليس موتاً مفاجئاً، بل نتيجة تراكم: عزلة، ضغط، اغتراب، انقطاع عن المعنى. هذا النوع من الموت لا يدخل في إحصاءات الحرب، ولا يظهر في تقارير المنظمات، لكنه جزء من بنيتها. لأن الحرب لا تقتل فقط من يبقون، بل أيضاً من يغادرون.

في المقابل، مزن تمثل شكلاً آخر من المواجهة. كانت داخل المجتمع، داخل الصراع، داخل النقاش العام، تحاول أن تمنع تآكل المعنى، أن تحافظ على ذاكرة العدالة. موتها، بهذا المعنى، ليس فقط فقداناً لشخص، بل خسارة لصوت كان يقاوم النسيان. لروحهما السكينة وعالى الجنان خالدين فيها ابدا وأن كره الكارهون. 

إذا وضعنا هاتين القصتين جنباً إلى جنب، لا بهدف المساواة السطحية، بل بهدف الفهم، يظهر لنا شيء مهم: الحرب في السودان لا تنتج نوعاً واحداً من الضحايا. هي تنتج طيفاً كاملاً من الهشاشة، من القتل المباشر إلى الموت الصامت. وهي، في كل ذلك، تعيد تعريف ما يعنيه أن تكون سودانياً في هذا الزمن.

هذا لا يعني أن نُذيب الفروق، أو أن نُسقط كل شيء في تفسير واحد. لكنه يعني أن نرفض الفصل السهل بين “داخل” و”خارج”، بين “ناجٍ” و”ضحية”. كثيرون في الخارج يُنظر إليهم بوصفهم ناجين، لكنهم يحملون أشكالاً أخرى من الكلفة، أقل ظهوراً، لكنها حقيقية.

ربما لهذا عدتُ للكتابة. ليس لأن الحزن انتهى، بل لأنه لم يعد شأناً فردياً. مزن، التي لم أعرفها شخصياً، وأسامة، الذي أعرفه جيداً، التقيا في ذهني لا كذكريين منفصلتين، بل كسؤال واحد: كيف نكتب عن حرب لا تنتهي عند حدودها؟ كيف نفهم صمود مجتمع، دون أن نتجاهل أولئك الذين سقطوا خارج شبكاته؟

في المقال القادم، سأعود إلى مسار السلسلة، إلى واحدة من أكثر ركائز هذا الصمود عمقاً وتعقيداً: دور النساء في إدارة الحياة اليومية تحت الحرب، ليس فقط داخل البيوت، بل داخل كل هذه الشبكات التي حافظت على بقاء المجتمع.

وكما في كل مرة، أترك هذا النص مفتوحاً. ما الذي يجب أن نكتبه أيضاً؟ ما الذي لم نقله بعد؟ هذه السلسلة لم تبدأ لتكتمل، بل لتظل محاولة مستمرة لفهم ما يحدث لنا، ونحن نحاول أن نبقى أحياء.

زر الذهاب إلى الأعلى