الشرق قادمالهلال الخصيبعاجلمقالات

ما بعد الصمت… من سوء القراءة إلى إعادة تثبيت القوة

معتز منصور – كاتب وباحث سياسي

من أخطر ما يقع فيه الخصوم، ومعهم جمهور واسع من المراقبين، الخلط بين الصمت والعجز، وبين ضبط النفس وفقدان القدرة. هذا الخلط ليس تفصيلاً لغوياً، بل أصل في سوء قراءة مرحلة كاملة امتدت خلال الأشهر الخمسة عشر التي تلت اتفاق وقف إطلاق النار تحت مظلة القرار 1701. في تلك الفترة جرى تسويق سردية واسعة مفادها أن الحزب خرج مثقلاً، منزوع المبادرة، وأن إسرائيل فرضت معادلة جديدة لا رجعة عنها. غير أن مجريات ما بعد ذلك كشفت أن جزءاً كبيراً من هذه القراءة كان وهماً سياسياً أكثر منه توصيفاً واقعياً.

خلال تلك الشهور، كان الحزب ملتزماً، وفق الموقف الرسمي اللبناني، بوقف إطلاق النار. لم يكن ذلك توصيفاً إعلامياً، بل مساراً موثقاً عبر الحكومة اللبنانية وتقارير الميكانيزم واليونيفيل. في المقابل، لم تلتزم إسرائيل بالاتفاق إلا بالحد الأدنى الذي يخدم عملياتها. استمرت عمليات الاغتيال، واستمر القصف، واستمر استهداف البنية المدنية والاقتصادية في الجنوب، وسقط مئات الضحايا من أبناء المنطقة وكوادر الحزب. كان المشهد واضحاً في جوهره، طرف يلتزم، وطرف يخرق، بينما يُترك التوصيف السياسي معلقاً في الهواء.

في هذه المرحلة بدأ سوء الفهم يتراكم. اعتقد كثيرون أن غياب الرد الفوري يعني غياب القدرة على الرد. وهذه واحدة من أكثر القراءات بدائية في فهم سلوك التنظيمات العقائدية. فهذه القوى لا تُقاس برد الفعل اللحظي، بل بقدرتها على إدارة التوقيت، وتحديد لحظة الاستخدام، واختيار شكل الرد بما يخدم ميزان القوة، لا بما يفرضه ضغط الحدث. الصمت هنا ليس فراغاً، بل أداة.

ثم جاءت لحظة اتساع المواجهة الإقليمية مع إيران، فتبدلت البيئة الاستراتيجية دفعة واحدة. دخل الحزب في معادلة مختلفة، لا بوصفه متلقياً للضربات، بل جزءاً من جبهة مفتوحة متعددة المستويات. عندها فقط بدأ يتكشف ما حاولت الرواية السابقة حجبه، أن البنية العسكرية لم تُكسر، وأن القدرة النارية لم تُشل، وأن منظومة القرار الميداني ما زالت تعمل ضمن شروطها.

الأهم أن الأداء العسكري أعاد إنتاج رسالتين في وقت واحد. الأولى موجهة إلى إسرائيل، ومفادها أن فرض الوقائع من طرف واحد لم يعد ممكناً بلا كلفة. والثانية موجهة إلى الداخل اللبناني والعربي، وتتمثل في أن صورة الضعف التي استقرت خلال الأشهر الماضية لم تكن انعكاساً دقيقاً للواقع، بل نتيجة تضخيم سردي أكثر منه نتيجة ميزان قوة فعلي.

في هذا السياق، يصبح مفهوم الإنجاز مختلفاً عن التوصيفات التقليدية. الإنجاز لا يُقاس برفع راية أو تسجيل تقدم جغرافي، بل بقدرة طرف على إعادة تثبيت معادلة الردع. أي إعادة تعريف كلفة الفعل العسكري على الطرف الآخر. إسرائيل، منذ تأسيسها، قامت على مبدأ تفوق القدرة على الضرب مع محدودية الرد. أي خلخلة في هذه المعادلة تمس جوهر تفوقها النفسي قبل العسكري.

لهذا بدا التفاعل الشعبي مع التطورات مفهوماً في سياقه. فالجمهور لا يتعامل مع التحليل التقني بقدر ما يتعامل مع الصورة العامة للكرامة والقوة. وخلال الأشهر السابقة تشكل انطباع واسع بأن ميزان الردع يميل بالكامل لصالح إسرائيل. ثم جاءت التطورات الأخيرة لتعيد تعديل هذه الصورة، لا بإلغائها، بل بكسر أحاديتها.

ومع ذلك، فإن القراءة المتزنة لا تقع في فخ المبالغة في أي اتجاه. فليست المسألة انتصاراً نهائياً، ولا انهياراً كاملاً للرواية المقابلة. ما حدث أقرب إلى إعادة ضبط ميزان مختل، وإلى تصحيح انطباع تراكم بفعل الحرب النفسية أكثر مما تراكم بفعل الوقائع الصلبة.

الخلط الأكبر في هذا النوع من التحليل هو الاعتقاد أن الردع يعني غياب الحرب. الردع، في تعريفه الدقيق، يعني تحويل الحرب إلى خيار مكلف، لا إلى خيار مستحيل. وهذا ما يبدو أنه تحقق جزئياً، عبر إعادة تذكير الطرف الآخر بأن هامش الحركة غير مفتوح بلا حدود.

ومن هنا يمكن فهم حساسية الموقف الإسرائيلي. فالإشكال ليس في مفاجأة عسكرية مطلقة، بل في اهتزاز فرضية مركزية: أن الخصم بات منزوع القدرة على التأثير. سقوط هذه الفرضية هو ما يخلق التوتر الحقيقي، لأنه يعيد فتح حسابات كانت تُعتبر محسومة.

في النهاية، ما انتهى ليس مجرد جولة عسكرية، بل مرحلة كاملة من الالتباس السياسي والسردي. مرحلة اختلط فيها الصمت بالعجز، والانضباط بالتراجع، وإدارة الوقت بفقدان المبادرة. ثم جاءت الوقائع لتعيد تعريف هذه المفاهيم من جديد، وتثبت أن في الصراعات طويلة المدى، الرواية ليست أقل أهمية من السلاح، وأن من يخطئ قراءة الصمت، قد يخطئ فهم القوة كلها.

زر الذهاب إلى الأعلى