لغز “كارولين ليفيت بالبيت الأبيض: وقاحة وتطرف، أم “أيقونة” الجيل زد؟
كتب: هانى الكنيسى
برز اسم ‘كارولين ليفيت’ Karoline Leavitt كظاهرة استثنائية كسرت العديد من مبادئ العمل الإعلامي والسياسي بين جدران البيت الأبيض، وربما في أرجاء العاصمة الأمريكية الوقورة واشنطن دي سي.
في غضون 6 سنوات لا أكثر، تحولت الشقراء الطموح من متدربة مبتدئة إلى أصغر سكرتيرة صحفية وناطقة باسم الرئيس في تاريخ البيت الأبيض.
وُلدت ‘كارولين’ في 24 أغسطس 1997 في بلدة متواضعة اسمها ‘أتكينسون’ بولاية ‘نيوهامبشير’، لعائلة متوسطة تدير محل آيس كريم محلي. ونشأت في بيئة كاثوليكية محافظة تعزو إليها ” الفضل في تشكيل توجهاتها السياسية والفكرية”.
بدأت مسيرتها العملية منذ عام 2019، حين تخرجت في تخصصي العلوم السياسية والاتصال (الإعلام)، وهو مسار مألوف لمن يحلمون بولوج دهاليز السلطة في واشنطن.
وبدأت رحلتها في البيت الأبيض كمتدربة في مكتب المراسلات الرئاسية خلال الفترة الأولى لدونالد ترمب، براتب أو مكافأة لم يتجاوز 2000 دولار شهرياً. وفي بيئة شرسة التنافسية، التقطت اليافعة الشقراء قواعد اللعبة بسرعة: بديهية الرد الإعلامي (دون التقيد بالحقائق أو صحة المعلومات)، والانضباط في شكليات العمل، والأهم—الولاء السياسي المطلق لسيد البيت.
بعد هزيمة ترمب ومغادرتها البيت الأبيض في 2021، انتقلت للعمل في منصب “مديرة الاتصالات” مع النائبة الجمهورية اليمينية (ذات الميول الصهيونية) ‘إليز ستيفانيك’ Elise Stefanik، براتب يناهز الـ 100 ألف دولار سنوياً.
وبخلاف الطفرة المالية، بدأت ملامح أسلوب ‘كارولين’ تتشكل عمليا وتتجلّى للعلن خلال ممارستها هذا الدور: خطاب هجومي متسق، حضور إعلامي واثق، وجاهزية نادرة لخوض المواجهات المباشرة مع الصحافة. بصمة مميّزة فتحت للفتاة العشرينية أبواب الشهرة داخل الدوائر المحافظة والمتشددة.
وخلال سنة واحدة فقط، وبالتحديد في عام 2022، قررت ‘ليفيت’ خوض غمار السياسة والترشح للكونغرس عن ولاية ‘نيوهامبشير’. ورغم أنها كانت من أصغر المرشحين سنًا، فقد تمكنت من تحقيق حضور لافت، قبل أن تخسر بفارق ضئيل.
لكن الهزيمة لم تطفئ جذوة الطموح الجامح في نفس ‘ليفيت’، فاتخذت منها نقطة انطلاق على مسار موازٍ. إذ سرعان ما أعادت طرح نفسها كشخصية إعلامية وسياسية أكثر جرأة، واستفادت من شبكات علاقاتها داخل الحزب الجمهوري في تأسيس شركتها الخاصة للاستشارات السياسية، وهو ما رفع صافي ثروتها إلى 250 ألف دولار.
ثم أقدمت على خطوة جريئة أخرى بزواجها من مطور العقارات المخضرم ‘نيكولاس ريتشو’ ذي الستين ربيعًا (أي يكبرها بفارق 32 عامًا، وهو ما أثار حملة “لمز وغمز” عليها آنذاك في الإعلام الأمريكي). وفي يوليو 2024، رُزقت بطفلها الأول ‘نيكولاس’ أو “نيكو ريتشو” Niko Riccio (كما يحلو لها تدليله).
ومع عودتها كمتحدثة باسم حملة ترمب الانتخابية في صيف 2024، تضخمت ثروة ‘ليفيت’ لتصل إلى 3 ملايين دولار ، نتيجة ظهورها الإعلامي المكثف وتكالب القنوات والمواقع على استضافتها.
وبينما كانت “نجمة البيت الأبيض” محط حسد قريناتها بعد فوز ترمب ومكافأتها بمنصب الناطقة الإعلامية، زفت ‘ليفيت’ لأصدقائها وللإعلام خبر حملها بطفل ثانٍ، نهاية العام الماضي. ببساطة، أصبحت “أيقونة” تحلم بها فتيات جيلها؛ الجمال، والمال، والأسرة، والسلطة في آن. ولا ينسى أحد تغزل الرئيس ترمب بها علنًا، عندما قال عنها حرفياً خلال مقابلة تلفزيونية: “ذلك الوجه، وتلك الشفاه .. إنها تتحرك وكأنها مدفع رشاش”.
اليوم، وفي الـ28 من عمرها، تتربع ‘كارولين ليفيت’ على عرش الإعلام الرسمي في واشنطن براتب حكومي قدره 195 ألف دولار، وصافي ثروة يُقدر بـ 7 ملايين دولار (بفضل استثماراتها الخاصة ونفوذها المتصاعد).
إلا أن هذه “الأيقونة” محل اتهامات جادة بأنها ليست سوى “صدى الصوت البرتقالي” الذي يعزف على أوتار الشعبوية ويزايد على أكاذيب اليمين المتطرف، ويرى في جميع الصحافيين “خصومًا مأجورين وفاسدين”. يرى منتقدوها أنها تخلت عن “الأخلاق” لصالح “البروباغندا”، وروّجت للوقاحة والابتذال على حساب المهنية الإعلامية وقواعد العمل السياسي.
وليس أفضل في البرهنة على ذلك، من مثال الواقعة التي تهربت فيها ‘ليفيت’ من “ورطة صحفية” تشكك في مصداقية بياناتها- حين ردت بفظاظة مستخدمةً عبارة “أمك فعلت” Your mom did، على صحافي موقع Huffington Post الذي سألها على الهواء (منتصف أكتوبر 2025) عن الجهة التي اقترحت مدينة بودابست كمكان للقاء ترمب وبوتين.
لم تكن زلة لسان عابرة (بدليل أن رئيس قسم الاتصالات بالبيت الأبيض عاد وكرر اللفظ ذاته مجدداً)، بل إعلاناً عن “لغة الشوارع” الجديدة للسياسة التي يُفترض أن تجعل “أميركا عظيمة مجدداً” MAGA.
وبين هذا وذاك، تظل ‘كارولين ليفيت’ لغزاً محيرًا؛ هل هي قصة نجاح “ملهمة” لفتاة عصامية طموح التقطت “سر الصنعة” وطوعت الظروف لمصلحتها؟ أم أنها نتاج زمن “المسخ” الأمريكي (والغربي) الذي تُقاس فيه القيمة بسرعة الوصول لملايين الدولارات، وبعلو الصوت وكسر جميع القواعد؛ وفي مقدمتها ما يُسمى عبثًا “أخلاقيات المهنة”؟.
