أخبارإبداعات عربيةعاجل

الاستراتيجية الأمريكية ودور ترامب

المحرر السياسى:

في كل مرة تشهد فيها واشنطن قرارات صادمة أو تحولات حادة في السياسات، يعود التفسير السهل إلى الواجهة:

الرئيس شخصيته، مزاجه، خطابه، وأسلوبه الصدامي.

هذا ما حدث مع دونالد ترامب، الذي جرى تصويره بوصفه “ظاهرة سياسية طارئة”، سرعان ما ينتهي تأثيرها بخروجه من البيت الأبيض أو بتراجع حزبه انتخابيًا. غير أن هذا التفسير، وفق عدد متزايد من الباحثين، يتجاهل البنية الأعمق التي تُدار بها الدولة الأمريكية، ويُسقط من الحساب منطق الاستمرارية الاستراتيجية الذي حكم السياسة الأمريكية منذ تأسيسها.

ترامب… المنفّذ لا الصانع

لا تُدار الولايات المتحدة بوصفها دولة رئاسية بالمعنى المباشر، حيث يمتلك الرئيس حرية صياغة السياسات من الصفر. بل تقوم منظومة الحكم على شبكة معقّدة من المؤسسات:

مجلس الأمن القومي، وزارة الدفاع، الأجهزة الاستخباراتية، مراكز الأبحاث، اللوبيات الاقتصادية، والتيارات الفكرية المحافظة والليبرالية على حد سواء.

ضمن هذه البنية، لا يُنظر إلى الرئيس باعتباره “مبتكر المشروع”، بل بوصفه حلقة تنفيذ في سلسلة أطول.

من هذا المنطلق، يظهر ترامب لا كاستثناء، بل كأداة تنفيذية جاءت في توقيت مناسب: رئيس مستعد لتحمّل كلفة الصدام السياسي والإعلامي، وقادر على كسر المحرّمات التي تجنّبها من سبقوه.

“الدولة العميقة”: مفهوم الاستمرارية

مصطلح “الدولة العميقة” الذي أثار جدلًا واسعًا في السنوات الأخيرة، لا يعني – في السياق الأمريكي – مؤامرة سرّية بقدر ما يشير إلى استمرارية السياسات بصرف النظر عن تغيّر الرؤساء.

فهناك ملفات كبرى ظلت مطروحة لعقود:

الهجرة، حدود الدور الأمريكي عالميًا، العلاقة مع الصين، ومستقبل النظام الدولي متعدد الأطراف.

هذه الملفات لم تُخلق في عهد ترامب، بل جرى تأجيل حسمها لاعتبارات سياسية وانتخابية. ومع وصول رئيس لا يضع الإرث الأخلاقي أو التوافق الإعلامي ضمن أولوياته، انتقلت هذه الملفات من الأدراج إلى طاولة التنفيذ.

عودة مبدأ مونرو بصيغة جديدة

أحد أبرز ملامح التحول الراهن هو العودة العملية إلى “مبدأ مونرو”، الذي أُعلن عام 1823، ونصّ على أن “الأمريكيتين للأمريكيين”، أي رفض أي نفوذ أجنبي في نصف الكرة الغربي.

النسخة المعاصرة من هذا المبدأ لا تُقدَّم كخطاب أيديولوجي، بل تُترجم إلى سياسات مباشرة:

تشديد المواجهة مع التمدد الصيني في أمريكا اللاتينية

التعامل مع الهجرة باعتبارها تهديدًا أمنيًا لا قضية إنسانية

إعادة تعريف الحدود كخط دفاع استراتيجي

تهميش المؤسسات الدولي حين تتعارض مع المصالح الأمريكية

ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن مرحلة “الهيمنة المريحة” بعد الحرب الباردة انتهت، وأن المنافسة الدولية عادت بصيغة أكثر خشونة.

ملف الهجرة: قرار مؤجّل لا نزوة شعبوية

يُعد ملف الهجرة مثالًا واضحًا على الفرق بين القرار السياسي والخطاب الإعلامي.

فالتقارير الحكومية والدراسات الصادرة عن مراكز أبحاث – محافظة وليبرالية – ناقشت منذ سنوات تأثير الهجرة غير النظامية على الأمن والاقتصاد وسوق العمل.

ورغم أن إدارات سابقة، من بوش إلى أوباما، أقرت بوجود أزمة، فإنها تجنبت اتخاذ خطوات جذرية خشية الكلفة السياسية.

ترامب، في المقابل، حوّل التوصيات النظرية إلى أوامر تنفيذية، متحمّلًا تبعاتها الداخلية والخارجية.

لماذا ترامب؟

يرى محللون أن اختيار ترامب – أو صعوده – لم يكن مصادفة، بل نتيجة تلاقي الحاجة المؤسسية مع شخصية سياسية غير تقليدية.

فهو:

لا يكترث برأي الإعلام التقليدي

لا يسعى إلى صورة الرئيس التوافقي

لا يتردد في الصدام الداخلي أو الخارجي

مستعد لتحمّل دور “الرئيس المثير للجدل”

في هذا السياق، لا تبحث المؤسسات العميقة عن رئيس “مثقف” بقدر ما تبحث عن رئيس “قابل للاستخدام”.

ما بعد ترامب: تغيير الأسلوب لا الاتجاه

الاعتقاد بأن خروج ترامب من المشهد يعني نهاية المرحلة يُعد، وفق خبراء، خطأً تحليليًا كبيرًا.

فالتيار الذي صعد خلال عهده أصبح أكثر تنظيمًا، وتغلغل في الكونغرس والحزب الجمهوري والمؤسسات الفكرية.

وبينما قد تختلف الأساليب في المستقبل – خطاب أقل صدامية، ولغة أكثر دبلوماسية – فإن الاتجاه العام مرشّح للاستمرار:

أمريكا أقل انخراطًا في “نشر القيم”، وأكثر تركيزًا على إعادة ترتيب نفوذها ومصالحها.

الانعكاسات على العالم العربي

بالنسبة للعالم العربي، يحمل هذا التحول دلالات مباشرة:

تراجع أولوية “الديمقراطية وحقوق الإنسان” في الخطاب الأمريكيتركيز أكبر على الاستقرار والمصالح الاقتصادية والأمنية

استعداد لترك بعض المناطق للفوضى أو للتوازنات الإقليمية

شراكات تُبنى على المنفعة لا الشعارات

ويشير محللون إلى أن المرحلة القادمة ستفرض على الدول العربية إعادة قراءة علاقتها بواشنطن، بعيدًا عن الرهانات القدية

ما يجري في واشنطن ليس لحظة عابرة، ولا نتيجة مزاج رئيس مثير للجدل.

إنه تعبير عن تحوّل استراتيجي عميق في بنية القرار الأمريكي، بدأ منذ سنوات، ووجد في ترامب لحظة التنفيذ.

زر الذهاب إلى الأعلى