العرب وافريقياشخصيات عربيةمقالات

بدائل من الجنوب: كيف قاومت بعض الدول النيوليبرالية؟ وما الذي يمكن أن يتعلّمه السودان اليوم

  كتب: محمد إسماعيل 

أعود مرة اخرى للتفكيك واليوم سنرى محاولات من الجنوب للمقاومة وحين يُقال لنا إن النيوليبرالية “لا بديل لها”، فإن هذا الادعاء يسقط بمجرد النظر خارج المركز الغربي. في الجنوب العالمي – كل تناقضاته وإخفاقاته – ظهرت محاولات حقيقية لمقاومة منطق السوق المنفلت، واستعادة دور الدولة، وربط السياسة الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية والسيادة. هذه المحاولات لم تكن مثالية، وبعضها تعثّر أو تراجع، لكنها تكشف حقيقة أساسية: النيوليبرالية اختيار سياسي، وليست قانوناً طبيعياً. والسودان، وهو يفتّش عن مخرج من أزمته المركبة، يحتاج أن يقرأ هذه التجارب لا ليقلّدها حرفياً، بل ليفهم منطقها، وحدودها، ودروسها.

في أمريكا اللاتينية، جاءت المقاومة للنيوليبرالية من رحم أزمات اجتماعية حادة خلّفتها سياسات الخصخصة ورفع الدعم وتحرير الأسواق في التسعينيات. في بوليفيا، أعادت الدولة – في عهد إيفو موراليس – السيطرة على موارد الطاقة، خصوصاً الغاز، ورفعت حصة الدولة من العائدات بشكل كبير. لم يكن الهدف “تأميم كل شيء”، بل استعادة الريع السيادي وتوجيهه لبرامج اجتماعية خفّضت الفقر ووسّعت التعليم والصحة. التجربة واجهت ضغوطاً خارجية وانقسامات داخلية، لكنها أثبتت أن التحكم في الموارد شرط لأي سياسة اجتماعية مستقلة. الدرس للسودان واضح: من دون سيطرة فعلية على الذهب والأراضي والموانئ، تصبح أي سياسة اجتماعية وعداً بلا تمويل.

في الإكوادور، حاولت حكومة رافاييل كوريا كسر هيمنة المؤسسات المالية عبر إعادة التفاوض على الديون وزيادة الاستثمار العام في البنية التحتية والتعليم. ورغم أن التجربة تعرّضت لاحقاً للارتداد، إلا أنها كشفت أن الدَّين ليس قدراً، وأن إعادة ترتيب العلاقة مع الدائنين ممكنة حين تتوفر إرادة سياسية ودعم اجتماعي. بالنسبة للسودان، الذي أُرهق تاريخياً بالديون والعقوبات، فإن السؤال ليس كيف نرضي الدائن، بل كيف نعيد تعريف أولوياتنا ثم نتفاوض من موقع مصلحة وطنية.

أما البرازيل، فقد قدّمت نموذجاً مختلطاً في فترات صعودها الاجتماعي، حيث جمعت بين اقتصاد سوق منظم وبرامج حماية اجتماعية واسعة مثل “بولسا فاميليا” وهو برنامج توزيع نقدى واسع النطاق. لم تُلغِ السوق، لكنها قيّدتها بسياسات إعادة توزيع، وربطت النمو بالطلب الداخلي لا فقط بالتصدير. تراجع التجربة لاحقاً يذكّرنا بأن مقاومة النيوليبرالية ليست قراراً فنياً لمرة واحدة، بل صراع سياسي مستمر يحتاج إلى تحالفات اجتماعية تحميه.

في آسيا، تظهر نماذج مختلفة عن السردية النيوليبرالية الغربية. فيتنام لم تعتمد وصفات الخصخصة الشاملة، بل قادت الدولة عملية التحول الاقتصادي مع الحفاظ على ملكية عامة في قطاعات استراتيجية. السوق هنا أداة ضمن مشروع وطني، لا بديلاً عن الدولة. النمو لم يكن بلا كلفة، لكن الدولة احتفظت بقدرتها على التخطيط وتوجيه الاستثمار. الرسالة للسودان: التنمية لا تعني انسحاب الدولة، بل دولة أقوى وأكثر كفاءة.

وفي الصين، ورغم خصوصية التجربة، فإن الدرس المركزي هو رفض فكرة “النموذج الواحد”. الدولة لم تترك السوق يحدّد مصيرها، بل استخدمته ضمن استراتيجية صناعية طويلة المدى، مع سيطرة صارمة على القطاع المالي وتوجيه الاستثمار. ليس المطلوب استنساخ التجربة، بل فهم المبدأ: السيادة الاقتصادية تُبنى بالتخطيط، لا بالتعويم وحده.

في أفريقيا، ورغم القيود الأشد، ظهرت محاولات جزئية مهمة. إثيوبيا – قبل أزماتها الأخيرة وقبل ابى احمد الصه _ يونى – اتبعت نموذجاً تنموياً قاده الاستثمار العام في البنية التحتية والطاقة، مع تقييد خصخصة الأراضي والقطاع المالي. النمو السريع لم يكن بلا ثمن، لكن الدولة احتفظت بأدواتها الأساسية. بالنسبة للسودان، الذي يمتلك إمكانات زراعية هائلة، يبرز الدرس: من دون سياسة أرض كتب عنها المرحوم نقد وسياسة مياه وسياسة تمويل وطنية، لا زراعة ولا أمن غذائي.

ما الذي يجمع هذه التجارب رغم اختلاف السياقات؟ أولاً، رفض فكرة أن السوق ينظّم نفسه بنفسه في مجتمعات تعاني اختلالات تاريخية. ثانياً، استعادة دور الدولة في القطاعات الاستراتيجية – الموارد، التمويل، البنية التحتية. ثالثاً، ربط السياسة الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية لكسب شرعية شعبية تحمي التحول. رابعاً، إدراك أن الصراع مع النيوليبرالية ليس اقتصادياً فقط، بل سياسي وسيادي، وأن الارتداد محتمل إذا ضعفت التحالفات الاجتماعية.

لكن من الضروري أيضاً أن نكون نقديين: بعض هذه التجارب سقط في فخ الاعتماد المفرط على الموارد، أو في مركزية مفرطة أضعفت المؤسسات، أو في تجاهل الديمقراطية والمساءلة، ما جعلها هشة أمام الضغوط الداخلية والخارجية. البديل عن النيوليبرالية ليس “دولة بلا محاسبة”، بل دولة قوية خاضعة للمساءلة، وسوق منظَّم يخدم المجتمع لا يلتهمه.

بالنسبة للسودان، الدروس العملية لا تكمن في أسماء البلدان، بل في الأسئلة التي طرحتها هذه التجارب: من يملك الموارد؟ من يقرر أولويات الإنفاق؟ كيف نموّل الحماية الاجتماعية؟ كيف نُعيد بناء الدولة دون تسليمها للسوق أو للأمن؟ وكيف نخلق تحالفاً اجتماعياً واسعاً – عمال، مزارعين، مهنيين، نساء، شباب جنود وصغار ضباط – يحمي أي تحول من الارتداد؟

هذه ليست وصفة جاهزة، ولا طريقاً قصيراً. لكنها تُسقط أكذوبة “لا بديل”. الجنوب العالمي – بكل تناقضاته – أنتج بدائل جزئية ومؤقتة، لكنها حقيقية. والسودان، إن أراد الخروج من أزمته، لا يحتاج أن يستورد نموذجاً، بل أن يبني خياره: دولة تستعيد مخالبها الاقتصادية، وسوقاً في خدمة المجتمع، وعدالة اجتماعية ليست شعاراً بل سياسة.

نحن الان فى الحرب ولكن ماذا بعد الحرب. هذه اسئله يجب ان نسألها الان قبل الغد وهذه تجاوب على اسئلة حر ب او لا حرب.

زر الذهاب إلى الأعلى