كيف هندست تركيا وإسرائيل نهاية الأسد في غرف “نابولي” المظلمة؟

كتب: هانى الكنيسى
طرح الكاتب والإعلامي التركي المعارض ‘يلماز أوزديل’ Yılmaz Özdil في برنامج “الأحمر والأبيض” علي قناة ‘سوزجو’ Sözcü TV (التي يرأس إدارة المجموعة المالكة لها)، هذا هو السؤال ثم اجتهد في الإجابة عنه، في سياق روايته “المثيرة” عن تفاصيل “عملية نابولي” التي زعم أنها كانت عنوان “الصفقة السرية التي أُبرمت بين تركيا وإسرائيل -برعاية غربية- للإطاحة بنظام بشار الأسد”.
‘أوزديل’-المعروف بتوجهاته العلمانية والقومية وبنقده اللاذع لحكومة الرئيس إردوغان- ادّعى أن “اتفاقاً سياسياً وعسكرياً وتجارياً بين أنقرة وتل آبيب”
كان جزءا محورياً من مخطط دولي أوسع لإعادة رسم خرائط النفوذ في سوريا والمنطقة، تحت إشراف مباشر من حلف شمال الأطلسي (الناتو). واستفاض في شرح كيف أن “المؤامرة” جرى الإعداد لها قبل فترة طويلة، وكيف أن العملية انتقلت الآن -وفق الخطة الموضوعة- من مرحلة القتال المباشر إلى “مرحلة البناء والتحصين”.
لكن ما علاقة نابولي بالمؤامرة؟
أفادت تقارير إعلامية وتسريبات استخباراتية حديثة، من بينها تحليلات في مجلة The National Interest الأمريكية وتحقيقات في صحف عبرية مثل ‘معاريف’، بأن “عملية نابولي” (Operation Naples) كان “الاسم الكودي” لتفاهم استراتيجي سري جرى بلورته في المدينة الإيطالية، منتصف عام 2024، خلال لقاءات غير معلنة بين مسؤولين من ‘الموساد’ الإسرائيلي وجهاز الاستخبارات الوطنية التركي MIT.
والهدف، وفق تلك التسريبات، كان رسم “خارطة طريق لسوريا ما بعد الأسد”، وتقاسم الأدوار في لحظة الانهيار الحاسمة.
وتشير التقارير التي اعتمدت عليها رواية ‘ أوزديل’ إلى أن جوهر الصفقة قام على “مقايضة كبرى” بحيث تتولى تركيا تقديم دعم لوجستي واستخباراتي واسع لفصائل المعارضة المسلحة بقيادة أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع حالياً)، وتأمين خطوط الإمداد للهجوم النهائي على دمشق، مقابل “ضمانات بإنهاء وجود الإدارة الذاتية الكردية (قسد)” في شمال سوريا.
أما الدور الإسرائيلي في “عملية نابولي”، فتمثّل في شلّ قدرات الدفاع الجوي السوري، ومنع أي إمدادات إيرانية أو من حزب الله اللبناني، عبر غارات جوية مكثفة وعنيفة، في مقابل “تعهد تركي بإخراج النفوذ الإيراني بالكامل من سوريا المستقبل”.
وتضيف تلك المصادر أن إسرائيل وفّرت ما يشبه “المظلة العمياء” لتضليل الرادارات السورية، ما سمح بتقدم سريع لقوات المعارضة على الأرض، بينما مارست أنقرة ضغوطاً سياسية على موسكو لضمان عدم تدخلها العسكري المباشر، مستغلة اعتماد روسيا المتزايد على تركيا كمنفذ تجاري في ظل العقوبات الغربية.
ورغم غياب الإعتراف “الرسمي” بالمؤامرة، يربط ‘أوزديل’ بين “عملية نابولي” وتخطيط تم على أعلى مستوى في قيادة الناتو، واصفاً عملية إسقاط نظام الأسد في دمشق بأنها كانت بالعرف العسكري مجرد “مرحلة جديدة من خطة يتولى الحلف الأطلسي تنفيذها”. وهو طرح يتقاطع مع تقارير غربية ذكرت أن واشنطن اكتفت في مهمة إسقاط الأسد بدور “الراعي الصامت”، تاركة التنفيذ الميداني لحلفاء إقليميين، بما ينسجم مع استراتيجية “تقليل الكلفة المباشرة” التي اعتمدتها منذ سنوات في الشرق الأوسط.
وفي سياق شرحه لمراحل “عملية نابولي”، اعتبر ‘أوزديل’ أن تركيا ستكون اللاعب الأكبر في مرحلة “التحصين”، من منطلق قناعتها الثابتة بأن “الخطر الأكبر عليها مصدره سوريا”، قائلاً : “من الآن فصاعداً، وربما على مدى الخمسين عاماً القادمة، سيتعين على تركيا تركيز كل اهتمامها على سوريا، لأن التهديد القادم من هناك لن ينتهي أبداً”.
ويكشف الصحافي المعارض أنه وبينما كان الرأي العام في تركيا منشغلاً بتصريحات عن قبول الزعيم الكردي المعتقل ‘عبد الله أوجلان’ عرض تصالح تاريخي، كان الرئيس أردوغان يعمل في الكواليس مع رئيس استخباراته ‘هاكان فيدان’ (الذي تولّى لاحقا حقيبة الخارجية) على الملف السوري، مستفيداً من حالة الإنهاك والانقسامات داخل ‘حزب العمال الكردستاني’ (التي أدت في النهاية إلى قبوله بحل نفسه وتسليم السلاح).
ويشبّه ‘أوزديل’ سوريا بـ “مركز تسوق مقسم إلى عدة متاجر”، مؤكدا أنها تحولت بعد سقوط الأسد إلى “مشروع اقتصادي ضخم تحت عنوان إعادة الإعمار، باستثمارات تُقدَّر في مجملها بنحو تريليون دولار، تشمل المطارات والموانئ وخطوط أنابيب النفط والبنية التحتية”. وهو توصيف يوافق تقارير البنك الدولي ومراكز الأبحاث الغربية التي تناولت “اقتصاد ما بعد الصراع” في سوريا.
أما أخطر ما ورد في حديث’أوزديل’ فكان نفيه بشكل قاطع أي احتمال لصدام تركي–إسرائيلي في المستقبل القريب، معتبراً أن كل ما يُثار في الإعلام عن توترات بين أردوغان ونتنياهو ليس سوى “ستار للتمويه عن ترتيبات الغرف المظلمة بينهما”، فيقول: “زعموا أن إسرائيل وتركيا ستتصادمان في سوريا… هذا كله هراء”.
ويتوقع الصحافي التركي المعارض أن العلاقات التجارية بين البلدين “ستستمر كالمعتاد وربما بقوة أكبر”.
حتى الآن، ترفض الحكومتان التركية والإسرائيلية الإعتراف بوجود أي “تآمر مشترك” لإسقاط نظام الأسد، وتصفان ما حدث بأنه كان “استجابة منطقية لمتطلبات الأمن القومي”. غير أن تلاقي شهادات إعلامية، وتسريبات استخباراتية، وتحليلات مراكز بحثية، يجعل من “عملية نابولي” رواية يصعب تجاهلها، حتى وإن بقيت -إلى الآن- في المنطقة الرمادية بين الحقيقة الكاملة ونظريات المؤامرة.
ولمنطقة الشرق الأوسط، تاريخ مشهود في كتابة الخرائط بالحبر “السري”، وفي التواطؤ مع خطط ومؤامرات تُصاغ في غرف “مظلمة”.
