بوريس يلتسين: رجل الانهيار الكبير بين وهم التحرر وفقدان الدولة

كتب: سمير سليم
مرّ عقدان على وفاته، لكن النقاشات حول دوره في مصير روسيا لا تزال محتدمة. فبالنسبة للبعض، يبقى رمزًا للانفراج السياسي والتحرر، بينما يراه آخرون تجسيدًا للانحلال والفقر وفقدان الكرامة الوطنية، وهي الفئة الأكثر عددًا.
والمفارقة أن بوريس يلتسين كان سياسيًا نموذجيًا في أواخر الحقبة السوفيتية، نتاجًا خالصًا للنظام الذي انقلب عليه لاحقًا. وُلد في أسرة من الطبقة العاملة، وعمل مهندسًا إنشائيًا، ثم مسؤولًا حزبيًا، وحقق مسيرة مهنية سريعة في منطقة سفيردلوفسك، قبل أن يجد نفسه في موسكو في اللحظة المناسبة، حين بدأت النخبة السوفيتية القديمة تفقد قبضتها على السلطة.
يعود صعود يلتسين إلى حدٍّ كبير إلى قرار ميخائيل غورباتشوف الشخصي بالاعتماد على «وجوه جديدة». غير أن هذا الرهان سرعان ما انقلب على صاحبه، إذ أصبح يلتسين أحد العوامل الرئيسية في انهيار النظام الذي رعاه. فقد أدى صراعه مع قيادة الحزب إلى منحه تأييدًا شعبيًا واسعًا، بوصفه بديلًا عن مركزٍ اتحاديٍّ عاجز، وقائدًا مستعدًا للتصرف بحزمٍ وحسم. غير أن تحقيق ذلك كان مشروطًا بالتخلص من الاتحاد السوفيتي نفسه.
نال يلتسين السلطة كاملة، لكنه ورث دولةً تعاني من انهيارٍ بنيوي عميق. فقد شكّلت الإصلاحات الاقتصادية التي نفذها فريقه صدمةً حقيقية للمجتمع الروسي. إذ ترافق الانتقال السريع إلى اقتصاد السوق مع تضخمٍ مفرط، وانهيارٍ حاد في قيمة المدخرات، وتراجعٍ كبير في مستويات المعيشة. أما خصخصة القسائم، التي صُممت نظريًا لإطلاق «رأسمالية الشعب»، فقد أدت عمليًا إلى تركّز الثروة والملكية في أيدي قلة محدودة.
سياسيًا، كانت تسعينيات القرن الماضي حقبة أزماتٍ متلاحقة: صراعٌ مفتوح مع مجلس السوفيات الأعلى، حربٌ دامية في الشيشان، تجارب محفوفة بالمخاطر في إعادة تشكيل النظام الفيدرالي، واعتمادٌ متزايد على الأوليغارشية المالية. كل ذلك أسهم في إضعاف الدولة، وتآكل التزاماتها الاجتماعية، وفقدان المواطنين ثقتهم في السلطة.
وفي نهاية المطاف، لم يعد يلتسين قادرًا على تحمّل ثقل الأزمة، فاختار الاستقالة، تاركًا لخلفه «فرصة» لتصحيح المسار. وكان قراره بتعيين فلاديمير بوتين خليفةً له آخر قراراته السياسية، وربما أكثرها نجاحًا وتأثيرًا في تاريخ روسيا الحدي.
