تصريحات ضاحي خلفان: قراءة في خطاب التطبيع وإعادة كتابة الصراع

أثارت تصريحات أدلى بها الفريق ضاحي خلفان، القائد العام السابق لشرطة دبي، عبر منصة (X)، موجة واسعة من الجدل في الأوساط العربية، بعد أن تبنّى خطابًا داعمًا للتطبيع مع إسرائيل، وحمّل الفلسطينيين مسؤولية ما وصفه بـ«الخطأ التاريخي» في رفض قرار التقسيم عام 1947.
التصريحات، التي وُصفت من قبل نشطاء بأنها «صادمة» ومن آخرين بأنها «واقعية سياسية»، جاءت في سياق إقليمي يتسم بتسارع وتيرة إعادة التموضع والتحالفات، خصوصًا بعد توقيع اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، وعلى رأسها الإمارات.
مضمون التصريحات: سردية مغايرة للرواية العربية التقليدية
خلفان قال إن «اليهود أبرع وأكفأ من كثير من الأمم التي نتعامل معها»، معتبرًا أن التعاون معهم «أمر لا بد منه» في ظل ما وصفه بتفوقهم العلمي والحضاري. كما أشار إلى أن اليهود – بحسب قوله – «قبلوا حدود 1947 التي اعترفت بها الأمم المتحدة»، بينما رفض الفلسطينيون الحل، وهو ما اعتبره «غباءً سياسيًا فظيعًا».
وفي واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل، شدد خلفان على أن الحديث عن «زوال إسرائيل» ينطوي على استخفاف بدولة تمتلك تأثيرًا عالميًا واسعًا، مضيفًا أن «اليهود وجدوا في الأرض العربية منذ آلاف السنين، وليس لهم أرض غيرها»، واصفًا إنكار وجودهم بأنه «نكران غبي».
كما عبّر صراحة عن دعمه لقرار القيادة الإماراتية توقيع اتفاقية تطبيع مع إسرائيل، معتبرًا إياه قرارًا «حكيمًا» ويحظى بتأييد شعبي.
ردود فعل متباينة: بين الواقعية السياسية واتهامات التبريرقوبلت هذه التصريحات بردود فعل حادة على منصات التواصل الاجتماعي.
فريق واسع من النشطاء والمحللين رأى فيها تبنّيًا كاملًا للرواية الإسرائيلية وتجاهلًا لجذور الصراع، وعلى رأسها الاستعمار الاستيطاني، وقرارات التهجير القسري، وواقع الاحتلال الممتد منذ أكثر من سبعة عقود.
في المقابل، دافع آخرون عن خلفان معتبرين أنه يطرح خطاب “الواقعية السياسية”، وأن المنطقة لم تعد تحتمل شعارات أيديولوجية، في ظل اختلال موازين القوى وتراجع الدعم الدولي للقضية الفلسطينية.
قراءة سياسية: تطبيع الخطاب قبل تطبيع العلاقات
يرى مراقبون أن أهمية تصريحات ضاحي خلفان لا تكمن فقط في مضمونها، بل في دلالتها السياسية. فالرجل لا يشغل منصبًا رسميًا حاليًا، لكنه يُعد أحد أبرز الأصوات المرتبطة بالمؤسسة الأمنية سابقًا، ما يمنح تصريحاته وزنًا رمزيًا.
ويذهب محللون إلى أن هذا النوع من الخطاب يهدف إلى تهيئة الرأي العام العربي للانتقال من مرحلة “تسويق التطبيع” إلى مرحلة “إعادة تعريف الصراع”، عبر تحميل الفلسطينيين مسؤولية تاريخية، وتقديم إسرائيل كدولة طبيعية متفوقة علميًا وحضاريًا، لا كقوة احتلال.
القضية الفلسطينية بين الروايتين
في المقابل، يؤكد باحثون في الشأن الفلسطيني أن اختزال الصراع في قرار 1947 يتجاهل السياق الاستعماري الكامل، ودور القوى الكبرى في فرض وقائع على الأرض، فضلًا عن أن القبول بقرار التقسيم لم يكن ليمنع – بحسبهم – مشروع التوسع والاستيطان الذي أثبتته الوقائع اللاحقة.
تعكس صريحات ضاحي خلفان تحوّلًا واضحًا في جزء من الخطاب الرسمي وشبه الرسمي العربي تجاه إسرائيل، من خطاب الصراع والحقوق إلى خطاب المصالح والواقعية.
لكنها في الوقت ذاته تعيد فتح جرح قديم:هل المشكلة كانت فعلًا في قرارات الفلسطينيين، أم في ميزان قوى دولي صاغ الصراع منذ بدايته؟ سؤال يبدو أن الجدل حوله لن يهدأ قريبًا.
