إبداعات عربيةعاجلمقالات

هندسة الفشل في المفاوضات

معتز منصور – باحث سياسي 

ما تنقله وسائل إعلام عبرية عن تقديم نتنياهو شروطا لما يسميه اتفاقا جيدا مع إيران لا يمكن فهمه كمسار تفاوضي تقليدي، بل كجزء من استراتيجية أوسع لإدارة الصراع عبر أدوات دبلوماسية مصممة لإنتاج الفشل. فالشروط المطروحة، من تصفير التخصيب، وإخراج كامل المخزون المخصب، ووقف البرنامج الصاروخي، وقطع العلاقة مع الحلفاء الإقليميين، لا تعالج ملفا تقنيا أو سياسيا منفردا، بل تضرب مجمل البنية الاستراتيجية التي تقوم عليها قدرة إيران على الردع والبقاء في بيئة إقليمية معادية. هذه الشروط تمثل محاولة لتفريغ عناصر القوة الأساسية من الدولة، وتحويل أي عملية تفاوضية إلى عملية شكلية تهدف إلى رسم حدود الردع والقدرة الإيرانية قبل أي خطوة فعلية على الأرض.

الطرح الحالي يتجاهل السياق الأمني الاستراتيجي الذي تعمل فيه إيران، حيث تنتشر القواعد العسكرية الأمريكية من كل الاتجاهات، ويترك كيان يمتلك ترسانة نووية خارج أي إطار رقابي أو مساءلة دولية. في هذا السياق، لا يمكن قراءة هذه الشروط إلا بوصفها مطالبة بنزع الردع من طرف واحد وترك ميزان القوى الإقليمي مختلا بصورة دائمة. القبول بها لا يعني تعديل سلوك نووي محدد، بل يعني الانتقال بإيران من موقع الفاعل الإقليمي إلى موقع الدولة المحصورة داخل حدودها الجغرافية، بلا عمق استراتيجي وبلا قدرة على الردع الفعال، وهو ما يضعها أمام خيارات محدودة إذا ما أرادت الحفاظ على مكانتها أو مصالحها الحيوية.

من أبرز التطورات الدبلوماسية الأخيرة، رصد رغبة إيران في اختيار سلطنة عمان كمكان محتمل لجولة المفاوضات مع الولايات المتحدة المقررة الجمعة، بدل تركيا، وهو ما يحمل دلالات استراتيجية مهمة. عمان تتمتع بثقة تاريخية لدى طهران، وقد لعبت دور الوسيط في جولات سابقة من المفاوضات النووية، وكانت قناة اتصال موثوقة مع واشنطن أثناء التمهيد للاتفاق النووي الموقع عام 2015. اختيار مسقط يوفر لإيران بيئة تفاوضية أكثر حيادا، ويمنحها مجالا أوسع للتحرك الدبلوماسي بعيدا عن أي ضغوط إقليمية مباشرة، مع الحفاظ على صورة الدولة القادرة على إدارة مصالحها وموازين القوة الإقليمية. هذا القرار يعكس أيضا رغبة طهران في التحكم بديناميكية التفاوض، إذ إن تركيا ترتبط بملفات حساسة مثل النفوذ الإقليمي وسوريا، وقد يفرض وجودها ضغوطا سياسية وإعلامية مباشرة. في المقابل، توفر مسقط بيئة آمنة نسبيا من ناحية الإعلام والضغط الخارجي، وتتيح لإيران استخدام الجولة كأداة تكتيكية لإعادة رسم الحدود التفاوضية وفق أولوياتها.

هذا النمط ليس جديدا في السياسات الأمريكية والإسرائيلية. هناك تاريخ طويل من رفع سقف المطالب بشكل متعمد لإنتاج فشل تفاوضي ثم تحميل الطرف الآخر مسؤولية الفشل. ففي ليبيا عام 2003، قبلت طرابلس التخلي عن برنامجها النووي تحت إشراف دولي جزئي، لكنها تخلت عن عناصر قوة صلبة، وواجهت بعد سنوات تدخلات وعزلة سياسية مهدت لاحقا لإسقاط نظامها عام 2011، كما وثقته دراسات مراكز أبحاث غربية. ويظهر نمط مشابه في الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، حيث فرضت الولايات المتحدة قيودا صارمة على التخصيب والبرنامج النووي، مع التهديد المستمر بإعادة تفعيل العقوبات، ما أبقى إيران تحت ضغط دائم رغم التزامها الفني لفترة طويلة. أما في العراق بين عامي 1990 و2003، فقد كانت مفاوضات التفتيش على الصواريخ وبرامج التسلح محكومة بسقف مطالب غير قابل للتحقق الكامل، ما استخدم لاحقا لبناء سردية شرعية للتدخل العسكري.

في كل هذه الحالات، لم يكن الهدف التوصل إلى اتفاق متوازن، بل إنتاج فشل تفاوضي محسوب يمكن استخدامه سياسيا، مع إبقاء القدرة على فرض خيارات أخرى مفتوحة. والسيناريو الحالي مع إيران يعكس النمط نفسه. فالشروط المطروحة تجعل قبولها مستحيلا، وتحول الفشل من احتمال إلى وظيفة استراتيجية. الفشل هنا ليس مجرد نتيجة تعثر المفاوضات، بل أداة سياسية وسردية في آن واحد، تسمح لواشنطن وحلفائها بالادعاء أنهم استنفدوا المسار الدبلوماسي، وأن الطرف الإيراني أغلقه، بما يهيئ الأرضية لإعادة إنتاج شرعية دولية لأي تصعيد لاحق، سواء على مستوى العقوبات أو الضغط السياسي أو الخيارات العسكرية المباشرة.

مع ذلك، من المهم إدراك أن إيران ليست طرفا سلبيا في هذه المعادلة. لديها خيارات متعددة للرد، بدءا من تعزيز موقعها النووي ضمن الحدود القائمة، مرورا بتوسيع تعاونها الإقليمي لتعويض الضغوط المباشرة، وصولا إلى اعتماد مفاوضات انتقائية تستخدم فيها كل جولة كأداة لكسب الوقت وتحريك الرأي العام الدولي. اختيار مسقط، بوصفها بيئة تفاوضية موثوقة وحيادية، يعكس هذه الاستراتيجية بوضوح، ويتيح لإيران إعادة رسم حدود التفاوض بما يتوافق مع مصالحها، بعيدا عن أي تسييس أو ضغوط جانبية.

 

من هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى هذه المفاوضات كمسار لحل النزاع، بل كأداة ضمن أدوات الصراع نفسه. فالدبلوماسية هنا لا تعمل كجسر يربط طرفين متخاصمين، بل كحاجز مؤقت يعيد ضبط إيقاع الصراع، ويؤجل المواجهة المباشرة، ويحدد شروطها وسرديتها مسبقا. أي تحليل استراتيجي جاد يجب أن يميز بين المفاوضات بوصفها عملية مفتوحة على التسوية، والمفاوضات بوصفها أداة لإدارة الفشل وتحقيق أهداف سياسية غير تفاوضية.

الدرس التاريخي واضح: رفع سقف المطالب وإدارة الفشل ليس خطأ تكتيكيا ولا نتيجة عفوية، بل جزء أصيل من هندسة الصراع. فبدلا من الانخراط في تسوية تعترف بواقع توازن القوى، يتم رفع سقف الشروط إلى حد الاستحالة، ليس لانتزاع تنازل من الطرف الآخر، بل لإدارة الزمن السياسي، وضبط إيقاع الصراع، وتأجيل الاستحقاقات الكبرى، مع إبقاء الباب مفتوحا لتبرير أي خطوة تصعيدية لاحقة. هذا ما يميز الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية تجاه إيران منذ عقود: استخدام المفاوضات لإنتاج سردية مسبقة عن المسؤولية، لا لحل النزاع نفسه

زر الذهاب إلى الأعلى