شراكة محتملة… لكن مشروطة بين القاهرة وأنقرة
كيف ولماذا تغيّر مسار العلاقات المصرية–التركية؟

كتبت: ألفت مدكور
تمثل زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة محطة مفصلية في مسار العلاقات المصرية–التركية، بعد أكثر من عقد من التوتر الحاد والقطيعة السياسية غير المعلنة. الزيارة، التي تأتي في إطار انعقاد الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، تعكس تحوّلًا واضحًا في حسابات الطرفين، وتؤشر إلى انتقال العلاقة من مربع الصراع الأيديولوجي إلى منطق المصالح البراغماتية.
ــ جذور التوتر
شهدت العلاقات بين القاهرة وأنقرة تدهورًا غير مسبوق عقب أحداث 30 يونيو 2013 في مصر، حيث اتخذت تركيا، بقيادة أردوغان، موقفًا معاديًا للنظام السياسي الجديد، واحتضنت قيادات وعناصر من جماعة الإخوان المسلمين، وسمحت باستخدام منصاتها الإعلامية للهجوم على الدولة المصرية.
هذا الموقف انعكس في:
تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى القائم بالأعمال.
تجميد أغلب آليات التعاون السياسي.
تصاعد الخطاب العدائي التركي تجاه القيادة المصرية.
تباين حاد في الملفات الإقليمية، خاصة ليبيا وشرق المتوسط.
وبينما كانت مصر تعيد صياغة دورها الإقليمي على أساس الدولة الوطنية والسيادة، راهنت أنقرة لسنوات على مشاريع النفوذ الأيديولوجي والتدخل غير المباشر في شؤون الدول العربية، ما عمّق فجوة الثقة بين البلدين.
ــ لكن لماذا تغيّر الموقف التركي؟
بدأ التحول التدريجي في السياسة التركية تجاه مصر منذ عام 2020، مدفوعًا بجملة من الضغوط والمتغيرات، أبرزها:
العزلة الإقليمية لتركيا
سياسات أنقرة التصادمية في شرق المتوسط وليبيا وسوريا أدت إلى تكتل إقليمي مضاد، ضم مصر واليونان وقبرص ودولًا عربية، ما همّش الدور التركي في ملفات الطاقة وترسيم الحدود البحرية.
الأزمة الاقتصادية الداخلية
تعاني تركيا من تضخم مرتفع، وتراجع العملة، وحاجة ملحّة لجذب الاستثمارات وتخفيف التوترات الخارجية، وهو ما فرض على القيادة التركية مراجعة سياستها الخارجية.
أيضا فشل الرهانات الأيديولوجية
فقد دافع تراجع نفوذ جماعة الإخوان المسلمين إقليميًا، وسقوط مشاريع الإسلام السياسي، أنقرة إلى إعادة التموضع والتخلي التدريجي عن خطابها السابق تجاه مصر.
فالقاهرة لاعب لا يمكن تجاوزه
أثبتت القاهرة أنها رقم صعب في معادلات شرق المتوسط، وليبيا، وأمن البحر الأحمر، ما جعل تجاهلها أو معاداتها خيارًا مكلفًا لأنقرة.
ــ لماذا قبلت مصر التقارب؟
من جانبها، تعاملت القاهرة مع الملف التركي بمنهجية محسوبة، قائمة على اختبار النوايا قبل تطبيع العلاقات، ووضعت شروطًا واضحة، أبرزها:
وقف التحريض الإعلامي ضد الدولة المصرية.
احترام السيادة المصرية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
إعادة ضبط الموقف التركي في ليبيا بما يخدم الاستقرار.
وبعد رصد التزام تركي تدريجي بهذه الشروط، رأت مصر أن التقارب يخدم مصالحها الاستراتيجية، خاصة في:
تخفيف التوترات الإقليمية.
فتح آفاق اقتصادية واستثمارية جديدة.
إدارة الخلافات بدل تركها ساحة للصدام.
ــ رمزية الزيارة ورسائلها
تحمل زيارة أردوغان إلى القاهرة عدة رسائل سياسية: أهمها
اعتراف تركي عملي بمركزية الدور المصري.
أيضاً طيّ صفحة الخطاب العدائي السابق دون نسيان خلفياته.
و انتقال العلاقة من مرحلة “خفض التوتر” إلى “بناء المصالح”.
كما أن اللفتات الرمزية المصاحبة للزيارة، ومنها إهداء سيارة كهربائية للرئيس المصرى وظهور الرئيسين معًا في فعاليات اقتصادية، تهدف إلى تسويق صورة جديدة للعلاقات أمام الرأي العام المحلي والدولي.
ــ ما الذي يمكن أن ينتج عن التقارب؟
رغم التحسن الواضح، لا تزال العلاقات محكومة بالحذر، إلا أن الملفات المرشحة للتقدم تشمل:
زيادة حجم التبادل التجاري والاستثمارات.
التعاون الصناعي والطاقة.
تنسيق محدود في بعض الملفات الإقليمية، دون تحالفات عميقة.
خلاصة المشهد
فإن التقارب المصري–التركي ليس نتاج مصالحة عاطفية، بل نتيجة تحولات إقليمية قاسية فرضت منطق الواقعية السياسية. فالقاهرة لم تغيّر ثوابتها، وأنقرة أعادت حساباتها.
وبين الذاكرة الثقيلة للتوتر، وحسابات المصالح الحالية، تتحرك العلاقات بين البلدين على خيط دقيق: شراكة محتملة… لكن مشروطة.
