ألغام ملفات إبستين – الحلقة السادسة: فحيح الأفاعي في المنطقة العربية

كتب: هانى الكنيسى
في رسالة بتاريخ 6 سبتمبر 2016 إلى الملياردير الأمريكي “توم بريتزكر”، يكتب ‘جيفري إبستين’ بلهجة “المطّلِع” على خفايا المشهد في الشرق الأوسط:
“تركيا أبلغت جبهة النصرة بقوائم المجندين العراقيين- مذبحة، وروسيا أبلغت أردوغان بالانقلاب مسبقاً – طوق نجاة، والولايات المتحدة منحت مدينة تدمر حصانة من داعش.. بشار الأسد ليس له قاعدة شعبية، ولذلك سيبقى”.
لم تُكتب تلك “البرقية” بلغة التقارير الصحفية أو التحليلات السياسية التي زخرت بها “ملفات إبستبن”، بل بدت وكأنها “إيجاز استخباراتي” من عميل في مطبخ الأحداث إلى صديق معروف بعلاقاته المتشعبة مع كبار الشخصيات بصفته مالك مجموعة فنادق Hyatt العالمية.
والملاحظ أن ملايين الوثائق المنشورة على موقع وزارة العدل الأمريكية تكشف كيف أن الملياردير المنحرف الذي كان مؤمناً بنظرية “السفر عبر الزمن” (كما يظهر في مراسلاته مع أكاديميين من جامعتي ‘هارفارد’ و’ييل’ عن تأثير اهتزازات ذرات السيزيوم)، كان يتعامل مع محيطه المتنوع من نُخب السياسيين ورجال الأعمال في الغرب والشرق باعتباره “مصدراً موثوقاً” لمعلومات جيوسياسية حساسة، و “وكيلا معتمدًا” لأعمال الكبار.
وبالطبع، كان لبعض الدول العربية في “تسريباته” نصيب وافر ،كما في هذه “الشذرات”:
سوريا: مسرح المؤامرات الدولية والصراعات الإقليمية
من بين ما يظهر في صندوق بريد ‘إبستين’ الإلكتروني، صورة مستند “سري للغاية” صادر عن الأمم المتحدة (بتاريخ 16 أغسطس 2011)، يتضمن محضراً لمكالمة بين وزير الخارجية التركي آنذاك ‘أحمد داود أوغلو’ وأمين عام المنظمة الدولية ‘بان كي مون’، تتناول نتائج اجتماع في دمشق خيّر فيه الوزير التركي بشار الأسد بين جدول زمني للإصلاحات (شمل سحب الدبابات من حماة، وإجراء انتخابات برلمانية لصياغة دستور جديد) وعزلة دولية و”حصار مشابه لما حدث مع القذافي وصدام حسين”. وبحسب ما ورد في الوثيقة، فقد طلب ‘داود أوغلو’ من الرئيس السوري “الاستعداد لمغادرة السلطة” إذا لزم الأمر، كما تشير إلى أن وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك ‘هيلاري كلينتون’ كانت “تنسق مع أنقرة سيناريوهات رحيل الأسد”.
وفي رسالة بتاريخ 16 يناير 2017 من المبعوث الأممي النرويجي ‘تيرجي رود-لارسن’ إلى صديقه إبستين’، يتحدث عن “خطة إيران في توطين سوريا بالشيعة وتغيير التركيبة السكانية لزيادة نفوذها السياسي والعسكري في الشام”.
أما الوثيقة EFTA01875049 فتشير في رسالة من مصدر رفيع إلى ‘إبستين’، مؤرخة في يونيو 2012، إلى أن إسرائيل كانت تنظر للنظام العلوي (الذي تنتمي له عائلة الأسد) كخيار “أفضل من نظام سني متطرف” يسعى عبر “ديار التمكين” لاحتلال سوريا في إطار “مشروع إقليمي” يشمل الأردن لتوحيد “بلاد الشام”، وهو ما قد يكون “تحدياً يفوق بمراحل الصراع مع الفلسطينيين”. *هل المقصود هنا نظام سيقوده “الجولاني”؟!!!
وفي الوثيقة ذات التسلسل الكودي EFTA01931507 من مجموعة البيانات 10، رسالة مثيرة و”كاشفة”، تقول حرفيًا: “لا يبدو بشار ذكيًا بما يكفي، بل يبدو شخصًا يُقاد لا يقود… سيُتهم أعضاء حزب الله، وستندلع حرب أهلية، وسيتقاتل السنة والشيعة… خلال السنوات القادمة، هناك احتمال كبير لسقوط بشار الأسد، ومعه سينهار صرح القمع والترهيب الذي كان له دور فعال في السيطرة على الأوضاع”.
ليبيا: “الكنز المستباح” من ميراث القذافي
لم تغب الثروات الليبية المنهوبة عن رادار ‘إبستين’. إذ تكشف الوثائق عن خطة طموحة ومعقدة قادها الملياردير المنحرف لاسترداد 80 مليار دولار (منها 32.4 مليار دولار في الولايات المتحدة)، من أصول الدولة الليبية المجمدة، مستعيناً بشبكة “من مسؤولي المخابرات البريطانيين والإسرائيليين السابقين”.
ففي رسالة منشورة بتاريخ يوليو 2011، من أحد شركاء ‘إبستين’، جرى الحديث عن خطط لاستغلال “الاضطرابات السياسية والاقتصادية” في ليبيا لتحديد واسترداد أموالها المجمدة لدى الدول الغربية، والتي وُصفت في الوثيقة بأنها “مسروقة ومختلسة”، مع تقديرات بأن “قيمتها الفعلية قد تصل إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف المبلغ المعلن”.
ووفقا للملفات المنشورة، فقد رأى ‘إبستين’ في ليبيا النفطية “فرصة استراتيجية للاستثمار”، وعمل على لعب دور “الوسيط المالي” في ذروة “الفوضى” قبيل ومع سقوط نظام القذافي.
الإمارات: علاقات “خاصة جدا”
أكثر من 3000 رسالة بريد إلكتروني متبادلة بين عامي 2013 و2017، تفضح تفاصيل الصداقة “المريبة” بين ‘إبستين’ والرئيس التنفيذي لموانئ دبي العالمية الملياردير الإماراتي سلطان بن سليّم. إذ تتضمن دردشات شخصية حول “خدمات خاصة” من نساء من جنسيات مختلفة (روسيا، مولدوفيا، أوكرانيا، قبرص) بلغة “إباحية”، من بينها كيف أن بن سليّم ساعد في ترتيب تدريب لـ “مدلكة” روسية من في فندق بتركيا بناءً على طلب لصديقه المدان بجرائم جنسية الأخير، كما وصف في رسالة مفاتن “روسية جديدة بنسبة 100%” على متن يخته. وفي أخرى، أرسل رجل الأعمال الإماراتي لإبستين روابط لمواقع إباحية وقائمة أسعار لخدمات دعارة في طوكيو خلال رحلة له في عام 2013.
إلا أن أكثر الوثائق إثارة للجدل، كانت رسالة يعرض فيها بن سليّم على ‘إبستين’ توفير أحذية مدمجة بنظام (GPS) لتتبع “الأطفال” والعملاء، وهو ما رد عليه إبستين بوصفه “فكرة رائعة”. ناهيك عن الوثائق التي كشفت عن دور الوسيط الذي لعبه المياردير المنحرف بين بن سليّم وشخصيات “سياسية” دولية لتعزيز مصالح “موانئ دبي العالمية”، ومن أبرزهم: رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ‘إيهود باراك’، والوزير البريطاني الأسبق السير ‘بيتر ماندلسون’ (الذي أزيح من مجلس اللوردات مؤخرا تحت وطأة فضائح علاقته بإبستين وتسريبه معلومات حساسة).
الكويت: حبال “الود” و الصفقات “الطبية”
تُبرز الوثائق ارتباط اسم ‘إبستين’ برحلات مع شخصيات كويتية رفيعة، إذ تشير الرسالة EFTA01995201 إلى “امتنانه” للسفر مع الأمير مبارك الصباح، واستخدام سيارته (الليموزين) الخاصة.
كما تضمنت الملفات (مجموعة البيانات 9) تفاصيل عن عقود ضخمة في الكويت، تكشف مدى تغلغل شبكة الملياردير المنتحر في مفاصل التعاقدات الحكومية، وبالتحديد في مجال الخدمات الطبية؛ ومنها عقد لإدارة مستشفى بقيمة 400 مليون دولار لمستشفى ‘جونز هوبكنز’، وعقد آخر بقيمة 30 مليون دولار لمستشفى ‘تورنتو’ العام (الذي زعم ‘إبستين’ أنه وكيله الحصري).
