الشرق قادمالعرب وافريقياعاجلمقالات

اقتصاد الناس وما الذي يعنيه بديل نيوليبرالي؟

كتب: محمد إسماعيل 

بعد هذا المسار الطويل من تفكيك النيوليبرالية ، يصبح من الضروري التوقف عند السؤال الذي ظلّت اؤجله عمداً: إذا كانت النيوليبرالية ليست قدراً ولا قانوناً طبيعياً، فما الذي نعنيه ببديل؟ هذا السؤال لا يُطرح من باب البحث عن وصفة سحرية أو نموذج مستورد، بل من باب استعادة المعنى السياسي للاقتصاد. فالبديل النيوليبرالي، في جوهره، ليس برنامجاً تقنياً بقدر ما هو انحياز اجتماعي واضح: انحياز للناس ضد تحويل حياتهم إلى ملحق بالسوق.

أول ما يجب تفكيكه هو الفكرة الشائعة بأن أي بديل للنيوليبرالية يعني بالضرورة “اقتصاد دولة شمولية” أو “إلغاء السوق”. هذه الثنائية الزائفة هي إحدى أهم أدوات النيوليبرالية لإغلاق النقاش. ما يُطرح هنا ليس نقيضاً ميكانيكياً، بل تصور مختلف لوظيفة الاقتصاد نفسها. في النيوليبرالية، الاقتصاد غاية، والإنسان وسيلة. في البديل الذي نتحدث عنه، الإنسان هو الغاية، والاقتصاد أداة لتنظيم الموارد بما يخدم الحياة والكرامة والاستقرار. وقد اوردت فى البوست السابق نماذج لبعض الدول التى حاولت تقديم بدائل مقاومة للنيوليبرالية. 

اقتصاد الناس يبدأ من استعادة دور الدولة، لكن استعادته بمعناها الاجتماعي والسيادي، لا بمعناها الأمني أو البيروقراطي. الدولة التي نحتاجها ليست تلك التي تدير كل شيء، بل تلك التي تملك القدرة على التخطيط، وتوجيه الاستثمار، وحماية القطاعات الحيوية التي لا يستطيع السوق – خصوصاً في بلد هش – أن يبنيها وحده. في السودان، لا يمكن الحديث عن بديل من دون دولة قادرة على التدخل في الزراعة، والطاقة، والمياه، والنقل، والصناعات الأساسية. ترك هذه القطاعات للسوق العالمي أو لرأس المال الطفيلي ليس “تحريراً”، بل تنازل عن السيادة الاقتصادية.

الدولة المنتِجة هنا ليست دولة شعارات، بل دولة تُعيد ترتيب الأولويات. بدلاً من أن يكون الاستثمار موجهاً حيث الربح الأسرع، يُوجَّه حيث الحاجة الاجتماعية الأكبر. هذا لا يلغي القطاع الخاص، لكنه يضعه داخل رؤية عامة، لا فوقها. وفي سياق سوداني، حيث تآكلت الدولة وتحولت إلى ساحة تنازع، فإن استعادة هذا الدور هي في حد ذاتها فعل سياسي يعيد تعريف معنى السلطة.

لكن الدولة المنتِجة من دون حماية اجتماعية تتحول سريعاً إلى آلة ضغط جديدة. لذلك فإن الملمح الثاني لأي بديل هو الحماية الاجتماعية بوصفها حقاً، لا سياسة ظرفية. النيوليبرالية تعامل الحماية الاجتماعية ككلفة، و”كـتشويه”، وكعائق أمام السوق. البديل يرى فيها شرطاً لاقتصاد يعمل. لا يمكن الحديث عن إنتاج أو سوق عمل أو استثمار في مجتمع يعيش أغلبه تحت ضغط الخوف من الجوع والمرض والتعليم. في السودان، حيث الحرب والتضخم والنزوح صدمات يومية، تصبح الحماية الاجتماعية شرط الاستقرار، لا نقيضه.

هذه الحماية لا تعني توزيع الريع بلا حساب، بل تعني بناء شبكة أمان تُمكّن الناس من اتخاذ قرارات اقتصادية من موقع قوة نسبية. عامل بلا أمان لا يفاوض، ومزارع بلا حماية يبيع أرضه، وشاب بلا حد أدنى من الدخل يتحول إلى وقود للهجرة أو الحرب. بهذا المعنى، الحماية الاجتماعية ليست إنفاقاً استهلاكياً، بل استثماراً في السلم الاجتماعي نفسه.

الملمح الثالث هو السيادة الغذائية، وهي نقطة تتقاطع مباشرة مع ما فككناه سابقاً حول رفع الدعم والسوق والدولة الضعيفة. السيادة الغذائية لا تعني الانغلاق، ولا الاكتفاء الذاتي المطلق، بل تعني أن يملك المجتمع القدرة على إطعام نفسه بقراره، لا أن يُترك رهينة للاستيراد، وتقلبات الأسعار العالمية، والحصار، وسلاسل الإمداد الهشة. السودان بلد زراعي تاريخياً، ومع ذلك يعاني من الجوع. هذه ليست مفارقة طبيعية، بل نتيجة مباشرة لسياسات فككت الزراعة، وأضعفت المزارع الصغير، وربطت الغذاء بالعملة الصعبة لا بالأرض.

البديل النيوليبرالي يعيد الاعتبار للزراعة بوصفها قضية سيادة، لا قطاعاً هامشياً. يعيد الاعتبار للبذور المحلية، وللري، وللسوق الداخلي، ولحماية المنتجين الصغار من السمسرة والاحتكار. من دون ذلك، سيظل الغذاء أداة ضغط سياسي واقتصادي، لا حقاً اجتماعياً.

أما الملمح الرابع، وهو الأكثر حساسية سياسياً، فهو الديمقراطية الاقتصادية. كثير من التجارب الثورية فشلت لأنها فصلت الديمقراطية السياسية عن القرار الاقتصادي. أُعطي الناس حق التصويت، لكن سُحب منهم حق السؤال: من يقرر الميزانية؟ من يملك الموارد؟ من يحدد أولويات الإنفاق؟ النيوليبرالية نجحت لأنها نزعت السياسة عن الاقتصاد، وتركته في يد خبراء ومؤسسات معزولة عن المجتمع.

الديمقراطية الاقتصادية تعني إعادة هذا القرار إلى المجال العام. تعني نقابات حقيقية، ومجالس إنتاج، وتعاونيات، وآليات رقابة مجتمعية على المال العام. تعني أن يكون للعمال والمزارعين والمهنيين والنساء صوت فعلي في توجيه الاقتصاد، لا مجرد تمثيل رمزي. في السودان، حيث جرى تجريف النقابات وتشريد القوى الحديثة، لا يمكن الحديث عن بديل اقتصادي من دون إعادة بناء هذا الفاعل الاجتماعي. السوق لا يُروَّض بالنيات، بل بالقوة الاجتماعية المنظمة.

وهنا تتضح الصلة بكل ما كتبناه سابقاً. النيوليبرالية لم تنتصر لأنها أقوى أخلاقياً أو علمياً، بل لأنها فككت المجتمع، وخصخصت الدولة والانسان، وحولت اللغة إلى أداة تبرير، وجعلت السوق يبدو كحَكَم طبيعي. البديل لا يُبنى بقرار فوقي، ولا بإعلان نوايا، بل بإعادة بناء السياسة من أسفل، وربط الاقتصاد بالعدالة، والعدالة بالسيادة.

سيقول البعض إن هذا الطرح طموح في بلد منهار مثل السودان. هذا صحيح. لكنه ليس رومانسيّاً. الرومانسي هو الاعتقاد بأن الاستمرار في نفس المسار – مسار السوق المنفلت، والدولة الضعيفة، والاقتصاد الطفيلي – سيؤدي إلى نتيجة مختلفة. البديل النيوليبرالي لا يبدأ من دولة مكتملة، بل من اختيار واعٍ للانحياز: هل نرى الاقتصاد أداة لخدمة المجتمع، أم نرى المجتمع وقوداً للاقتصاد؟

اقتصاد الناس ليس برنامج حكومة واحدة، بل أفق صراع طويل. قد يتقدم ويتراجع، وقد يُهزم مرحلياً، لكنه يضع بوصلة مختلفة: بوصلة تقول إن العدالة ليست شعاراً أخلاقياً، بل بنية اقتصادية؛ وإن السيادة ليست خطاباً سياسياً، بل سيطرة فعلية على الموارد؛ وإن الديمقراطية ليست صندوقاً فقط، بل مشاركة في القرار الاقتصادي. في السودان، حيث تكسّرت الدولة وتفكك المجتمع، يصبح هذا الأفق ليس مجرد بديل للنيوليبرالية، بل شرطاً لإعادة بناء معنى الدولة نفسها.

بهذا المعنى، البديل النيوليبرالي ليس حلماً جاهزاً، بل إجابة مفتوحة تُبنى مع الناس، لا نيابة عنهم. وهذا، في جوهره، هو معنى اقتصاد الناس.

زر الذهاب إلى الأعلى