
كتب: هانى الكنيسى
من بين أكثر الوثائق “إثارة وغرابة” في ملفات ‘جيفري إبستين’ التي نشرتها وزارة العدل الأمريكية، مراسلة إلكترونية مؤرخة في أكتوبر 2011، بعثها الملياردير ورجل الأعمال الأميركي المعروف ‘توم بريتزكر’ إلى حساب مرتبط بالملياردير المدان بالاعتداء الجنسي على قاصرات والاتجار بالبشر.
الرسالة القصيرة (ذات المغزى العميق)، تبدأ بجملة غامضة: “إذا كان ذلك مناسباً لك، سينضم إلينا ‘شلومو’ Shlomo لتناول الغداء يوم الأحد… متى؟”
ثم تأتي الجملة الأخطر: “من بين أمور أخرى، كان ‘شلومو’ القائد الأعلى للجيش اللبناني لمدة أسبوع أثناء خدمته في الجيش الإسرائيلي”.
وتُختتم الرسالة بعبارة في صيغة أمر: “لا تسأل”!!
الرسالة لم تتضمن اسماً كاملاً أو رتبة أو أي تفاصيل تعريفية للشخص المقصود، إلا أن مجرد الإشارة إلى ضابط إسرائيلي قاد الجيش اللبناني (ولو لمدة أسبوع) -خصوصًا وأنها تزامنت مع زيارة وفد عسكري لبناني رفيع إلى واشنطن في الشهر نفسه، وفق ما ذكرت وسائل إعلام لبنانية- كانت كافية لإضرام التكهنات حول مغزاها ومدى صحة محتواها، وقبل هذا وذاك مدى تغلغل ‘إبستين’ الاستخباراتي واطّلاعه على “أسرار” حساسة.
أما ما أضفى على هذه الرسالة قدرًا من الأهمية (أو الجدية)، فهو “التحديث” الذي تضمنّته “تسريبات” من جلسات استماع في الكونغرس عام 2026، والتي تشير إلى أن “الاستخبارات الأميركية قد تكون على علم بهوية هذا الشلومو”. وأنه ربما كان “عميلاً مزدوجاً” استُخدم لابتزاز شخصيات لبنانية رفيعة عبر التهديد بكشف “تعاملهم السري مع إسرائيل”.
والحقيقة أن قصة “شلومو” الجيش اللبناني -برغم غرابتها الأقرب لسرديات أفلام الجاسوسية في هوليوود- لا تبتعد كثيرا عما كشفته الدفعة الأخيرة المنشورة من وثائق ‘إبستين’ عن خفايا شبكة العلاقات التي ربطت الملياردير المنحرف بشخصيات نافذة في الشرق الأوسط، ذات خلفيات استخباراتية أو سياسية ومالية حساسة.
ومن أبرزها، رجل الأعمال السوري رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد الذي كان يٌعد لسنوات الواجهة المالية للنظام البائد بسيطرته على أكثر من 60% من الاقتصاد السوري عبر شركة ‘سيريتل’ وشركات عقارية ومصرفية، وفُرضت عليه عقوبات أمريكية وأوروبية باعتباره “الممول الرئيسي” للعمليات العسكرية ضد المعارضة)، قبل أن يندلع الخلاف “العلني” بينهما عام 2019، وتحجز السلطات على أمواله لاحقًا ليعيش فيما يشبه الإقامة الجبرية بقصره في دمشق.
إذ تشير الوثائق الجديدة إلى أن ‘إبستين’ طلب من شركة التحقيقات الخاصة Nardello & Co عام 2011 (أي مع أحداث الربيع العربي)، جمع “ملف كامل” عن الأصول الخارجية لمخلوف لصالح “جهة سيادية” لم يُكشف عنها، مما يوضّح دور الملياردير المشبوه كـ”سمسار معلومات استخباراتية”.
ومن الشخصيات العربية الأخرى التي تميط الوثائق الستار عن ارتباطاتها “المريبة”، رجل أعمال اسمه أحمد الكبيسي، لعب دور “المنسق اللوجستي” لرحلات ‘إبستين’ إلى القاهرة ودبي بين عامي 2014 و2016، وتولّى ترتيب لقاءاته مع نخب اقتصادية، وضمان مرور طائرته الخاصة دون تدقيق أمني مشدد. ويُعرف الكبيسي -الذي اشتهر بلقب “رجل الظل”- بأنه وسيط (Fixer) يمتلك شبكة علاقات واسعة مع عائلات تجارية كبرى ومسؤولين في مصر والإمارات والأردن، كما تشير بعض التقارير المسربة إلى أنه كان يعمل كـ “مستشار غير رسمي” لجهات أمنية في المنطقة، وهو ما مكنه من توفير “حصانة دبلوماسية” غير رسمية لتحركات ‘إبستين’.
هذا بخلاف ما ورد في “ملفات إبستين” عن علاقته “الشخصية” بمسؤولين ورجال أعمال من تونس والمغرب، ظهرت “الأحرف الأولى” من أسمائهم مثل M.B و S.Z في قوائم رحلات طائرته الخاصة ‘لوليتا إكسبريس’. وقد ارتبطت تلك الأسماء بزيارات لباريس ونيويورك بدعوة من ‘إبستين’، الذي كان يسعى -حسبما تشير التحقيقات- إلى الحصول على “عقود تعدين وطاقة” في تلك الدول، عبر استغلال شبكة علاقاته “النسائية” للإيقاع بهؤلاء المسؤولين و”تصويرهم سرًا في أوضاع مخلّة”.
والجدير بالتسجيل في هذا السياق، أن الوثائق المنشورة تكشف أن ‘إبستين’ كان مولعاً بامتلاك “أدوات تجسس سيبراني” تمنحه القدرة على مراقبة ضيوفه وخصومه، وهو ما تجلّى في استثماراته “الموثّقة” بملايين الدولارات في شركات إسرائيلية استخباراتية، مثل Carbyne Reporty المتخصصة في تقنيات الطوارئ ونقل الفيديو المباشر من الهواتف، و التي يرأس مجلس إدارتها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ‘إيهود باراك’ (المفضوح في الملفات والتحقيقات بصور مقززة وشهادات من مراهقات اعتدى عليهم جنسيا “بوحشية”).
كما يظهر في مذكرات Nardello & Co أن ‘إبستين’ طلب عام 2015 تقييماً لشركات تطور برمجيات مشابهة لـمنتجات ‘بيغاسوس’ التجسسية لاختراق هواتف مشفرة، وكان الوسيط فيها ضابط سابق في الوحدة 8200 الإسرائيلية، وفق الوثائق المنشورة على موقع وزارة العدل الأمريكية.
