عودة الحريري كإعادة ضبط وظيفي لا كحدث سياسي عابر
معتز منصور – باحث سياسي
ما يجري في لبنان لا يمكن قراءته بوصفه عودة شخصية سياسية إلى المسرح، بل باعتباره إعادة تشغيل قناة سياسية أُغلِقت مؤقتًا، وما ترتب على إغلاقها من تمددٍ وظيفي لأدوات بديلة داخل المعسكر نفسه. عودة سعد الحريري لا تستهدف خصومًا مباشرين بقدر ما تعيد ترتيب البيت الذي تصدّع في غيابه، وتحديدًا داخل المعسكر المناهض لحزب الله، حيث جرى خلال السنوات الماضية خلطٌ بين القيادة والوظيفة، وبين التمثيل الأصيل والتمثيل بالوكالة.
الخطأ الأكبر في كثير من القراءات هو افتراض أن الانتقالات السياسية التي حصلت خلال غياب الحريري كانت نتيجة قرارات فردية أو تحولات في القناعات. الواقع اللبناني لا يعمل بهذا المنطق. الانتقال الذي جرى نحو سمير جعجع لم يكن هجرة سياسية طبيعية، بل عملية توجيه منظومة فرضتها لحظة فراغ وغياب قناة سنية معتمدة قادرة على إدارة الصراع والتفاوض وضبط الإيقاع. جعجع لم يكن خيارًا مثاليًا، لكنه كان الخيار الجاهز تنظيميًا، القابل للاستخدام السريع، والمناسب لملء الفراغ مؤقتًا.
بهذا المعنى، فإن التمدد الذي حققه جعجع لم يكن نتاج مشروع عابر للطوائف، بل نتاج وظيفة مُسندة. الذين التحقوا به لم يلتحقوا اقتناعًا بمشروعه، بل التحقوا لأن مركز القرار الذي كانوا يتحركون في مداره أغلق القناة الأصلية وفتح قناة بديلة. لذلك، كان هذا التمدد منذ البداية تمددًا هشًا، مشروطًا، وقابلًا للانكماش فور إعادة فتح القناة الأصلية.
استراتيجيًا، عودة الحريري تضرب هذا التمدد في الصميم، لا لأنها ستقنع المنتقلين بالعودة، بل لأنها تعيد تعريف الوظيفة. منطق الصراع هنا ليس أخلاقيًا ولا خطابيًا، بل هو وظيفي بامتياز. حين تعود القناة الأصلية للعمل، تفقد القناة البديلة مبررها. لا حاجة إلى معركة سياسية مفتوحة، ولا إلى خطاب تخويني، بل يكفي أن يُعاد ضبط الأدوار حتى يبدأ التراجع تلقائيًا.
لكن هذا المسار ليس آليًا. عودة الحريري بحد ذاتها لا تعني أن القرار الاستراتيجي قد اتُّخذ كاملًا. الفارق الجوهري هنا هو بين السماح بالحركة وبين التبني السياسي. إذا كانت العودة جزءًا من قرار بإعادة تفعيل الحريرية السياسية كقناة أساسية للتمثيل السني وإدارة التوازنات، فإن انكماش دور جعجع سيكون مسألة وقت وتنفيذ. أما إذا كانت العودة مجرد رفع فيتو وفتح مساحة حركة دون تبنٍّ كامل، فإن جعجع سيبقى أداة احتياط، يحتفظ بجزء من الدور الذي لعبه خلال الفراغ.
في هذا السياق، لا يمكن فصل المشهد عن السعودية، لكن المقاربة هنا يجب أن تكون مختلفة عن السرديات القديمة. السعودية اليوم لا تبحث عن وكلاء صدام، ولا عن زعامات ترفع السقف بلا قدرة على الإدارة. هي تبحث عن أدوات ضبط، لا أدوات تفجير. من هذا المنظور، عودة الحريري لا تعني استعادة النموذج السابق كما كان، بل اختبار إمكانية إعادة تشغيله بصيغة أقل كلفة وأكثر انضباطًا. لذلك، فإن الضوء الأخضر، إن وُجد، هو ضوء أخضر مشروط، يراقب الأداء ولا يمنح شيكًا على بياض.
هذا يعيدنا إلى علاقة الحريري مع حزب الله. الحريري لا يعود ليقود مواجهة مباشرة، ولا ليعيد إنتاج تسوية مفتوحة بلا أفق. هو يعود ليعيد بناء توازن مفقود. وظيفة الحريرية تاريخيًا لم تكن كسر الحزب، بل منع تحوله إلى الطرف الوحيد المنظم القادر على فرض شروطه. غياب هذه الوظيفة هو ما سمح بتضخم اختلال التوازن، لا قوة الحزب وحدها.
في المقابل، يدرك جعجع طبيعة هذه اللحظة. تصعيده الخطابي، ومحاولته تثبيت وقائع سياسية سريعة، ليسا تعبيرًا عن ثقة، بل عن قلق. هو يعرف أن الدور الذي لعبه كان مشروطًا، وأن عودة القناة الأصلية تهدد بسحب الوظيفة التي تمدد عبرها. لذلك، فإن معركته ليست مع الحريري كشخص، بل مع احتمال صدور قرار يعيد الأمور إلى ما قبل عام 2022.
الخلاصة الاستراتيجية: ما نشهده ليس صراعًا على جمهور، ولا تنافسًا على شعارات سيادية متشابهة، بل معركة قنوات داخل معسكر واحد. عودة الحريري تعني فتح مسار إعادة ضبط وظيفي، لا إعادة اصطفاف عاطفي. نجاح هذا المسار مرهون بوضوح القرار الذي يقف خلف العودة، وبقدرة الحريري على لعب دور الوسيط القوي لا الزعيم التقليدي. أما إذا بقيت العودة في المنطقة الرمادية بين السماح والتبني، فإن المشهد سيظل معلقًا، وتتعايش القناتان في حالة توتر مستمر، إلى أن تحسم جهة القرار أيهما الأصل وأيهما المؤقت.
