إبداعات عربيةالعرب وافريقياعاجلمقالات

كيف قاوم السودانيون الحرب بلا سلاح؟  الجزء (1) – حين سقطت الدولة… نهض المجتمع

بقلم: محمد إسماعيل 

حين اندلعت الحرب فى السودان لم يكن أول ما سقط هو المباني أو الشوارع أو حتى الأرواح، بل سقطت الدولة بوصفها فكرة عملية قابلة للاختبار. فجأة، وبلا مقدمات تُذكر، تبيّن أن ما كان يُسمّى دولة لم يكن سوى قشرة رقيقة، تنهار عند أول احتكاك حقيقي بالعنف ولم نكن نتخيل ذلك أبدا لان دولتنا كانت تعطى الجيش معظم الميزانية الوطنية. الأمن اختفى، لا لأنه هُزم في معركة، بل لأنه لم يكن مصمَّماً أصلاً لحماية المجتمع. المستشفيات أُغلقت أو نُهبت، لا بوصفها مرافق مدنية محايدة، بل لأنها لم تكن جزءاً من عقد اجتماعي حقيقي. الغذاء انقطع، والحماية تحوّلت من حق عام إلى شأن خاص، كأن الحياة نفسها جرى خصخصتها فجأة. صمود السودانييين لم يكن جزء مما سميت كجسم سياسى باسم صمود الان.ولكنها كانت صمودا صلدا فى المقاومة.  

هذا السقوط لم يكن مفاجئاً لمن نظر طويلاً في بنية الدولة السودانية. ما حدث في الحرب هو لحظة انكشاف لا لحظة انهيار. الدولة كانت قد انسحبت اجتماعياً قبل أن تنسحب عسكرياً. لسنوات، جرى تفكيك المؤسسات، لا بإلغائها، بل بإفراغها من مضمونها وتحويلها إلى أدوات ضبط وقمع أو واجهات تفاوض مع الخارج. وحين جاءت الحرب، لم تجد هذه الدولة ما تدافع به عن المجتمع، لأنها لم تُبنَ يوماً للدفاع عنه.

في هذا الفراغ، لم يظهر “البديل” في صورة سلطة جديدة، وهذا أمر بالغ الأهمية. المجتمع لم يسعَ إلى الحلول محل الدولة، ولم يعلن نفسه دولة مضادة. ما فعله كان أكثر تواضعاً وأكثر راديكالية في آن واحد: أعاد إنتاج الحياة خارج منطق الدولة والسلاح. الناس العاديون، الذين اعتادت الخطابات السياسية تجاهلهم أو استخدامهم كوقود، هم من تحمّلوا عبء الاستمرار. ليس لأنهم يملكون رؤية أيديولوجية جاهزة، بل لأنهم يملكون معرفة يومية متراكمة بكيفية النجاة في الهامش.

هنا يجب التوقف عند فكرة محورية: الصمود الذي نشهده ليس دليلاً على قوة المجتمع بقدر ما هو إدانة كاملة لفشل الدولة. تمجيد الصمود دون تفكيك شروطه السياسية يحوّله إلى أداة تبرير ضمنية للانهيار. لذلك من الضروري أن نقول بوضوح – المجتمع صمد رغم الدولة، لا بفضلها. وصموده لا يعني أنه كان يجب أن يُترك ليواجه هذا المصير وحده.

المجتمع السوداني لم ينتظر أحداً، ليس لأنه يثق بنفسه فقط، بل لأنه اختبر تاريخياً خذلان السلطة وخداع الخارج. فكرة الانتظار نفسها أصبحت ترفاً أخلاقياً لا يملكه من يعيش تحت القصف والجوع. في هذا المعنى، الصمود ليس فضيلة مجردة، بل موقف سياسي غير معلن: رفض تعليق الحياة على وعود الآخرين.

غالباً ما تُختزل هذه التجربة في سرديات بطولية فردية، لأن ذلك يريح الضمير العام. البطل الفردي لا يطرح أسئلة محرجة عن النظام السياسي أو الاقتصاد أو العلاقات الدولية. لكن ما جرى في السودان هو نقيض ذلك تماماً. الصمود كان فعلاً جماعياً هشّاً، مليئاً بالتناقضات، بالتعب، بالانكسارات الصغيرة، وبالقرارات المؤلمة. هو صمود بلا أناشيد، بلا شعارات، بلا وهم النقاء. وهذا ما يمنحه قوته التحليلية.

لا يمكن فصل هذا الصمود عن طبيعة الحرب نفسها. الحرب ليست مجرد اقتتال داخلي على السلطة، بل عقدة مصالح إقليمية ودولية استثمرت في هشاشة الدولة وتفكك المجتمع. السودان لم يكن مسرحاً عرضياً، بل ساحة اختبار لإدارة الانهيار. في هذا السياق، يصبح استمرار الحياة بحد ذاته فعلاً مضاداً. ليس مقاومة عسكرية، بل مقاومة لمعنى الحرب كما أراده مهندسوها: حرب تُحوّل الناس إلى ضحايا صامتين أو أرقام إغاثية.

 الأخطر من الحرب هو السرد الذي يليها. سرد يُعيد إنتاج السودانيين كضحايا أبديين، بلا agency ، بلا قدرة على الفعل. لذلك فإن كتابة هذه السلسلة ليست ترفاً ثقافياً، بل محاولة لاستعادة الحق في السرد. لا لتجميل الواقع، بل لتفكيكه من الداخل.

أبدأ هذه السلسلة وأنا لا أحمل مخططاً مغلقاً لها. ما أكتبه هنا هو مدخل، لا نهاية.

زر الذهاب إلى الأعلى