الإيكونوميست: مفاوضات جنيف تقترب من التسوية… ثم تعود إلى المربع الرمادي

كتب: سمير سليم
في وقت تتجه فيه الأنظار إلى المسار الدبلوماسي باعتباره الفرصة الأخيرة لاحتواء الحرب الروسية الأوكرانية، خصصت مجلة The Economist في قسمها التحليلي “غرفة الحرب” قراءة معمقة لمسار المفاوضات الروسية–الأمريكية–الأوكرانية المنعقدة في جنيف، واصفةً إياه بأنه “يقترب من التوصل إلى حل، قبل أن ينزلق سريعًا إلى حالة من عدم اليقين”.
التقرير يرصد تحولات المزاج السياسي المحيط بالمفاوضات منذ مطلع عام 2026، حين بدا لكلا الطرفين أن تسوية وسطية باتت وشيكة. غير أن هذا التفاؤل، بحسب المجلة، لم يصمد طويلًا أمام تعقيدات الواقع الميداني وتضارب الحسابات السياسية.
انقسامات كييف… وتعقيدات الشرعية
تشير “غرفة الحرب” إلى أن أحد أبرز عوائق التقدم يتمثل في عجز الوفد الأوكراني عن بلورة موقف موحد إزاء ملفات محورية، سواء في ما يتعلق بالترتيبات الإقليمية أو بالمسائل السياسية الداخلية، ومن بينها قضية إجراء انتخابات تمنح القيادة الأوكرانية شرعية متجددة في ظل ظروف الحرب.
وترى المجلة أن التباينات داخل النخبة السياسية في كييف تضعف قدرتها التفاوضية، وتمنح موسكو هامشًا أوسع للمناورة، في وقت تحتاج فيه أوكرانيا إلى جبهة سياسية متماسكة بقدر حاجتها إلى دعم عسكري واقتصادي خارجي.
قلق أمريكي من «السيد لا» الجديد
على الجانب الروسي، يلفت التقرير إلى تنامي القلق الأمريكي من الدور الذي يلعبه فلاديمير ميدينسكي داخل الوفد المفاوض. وتذهب المجلة إلى حد مقارنته بوزير الخارجية السوفيتي الراحل أندريه غروميكو، الذي اشتهر بلقب «السيد لا» خلال الحرب الباردة بسبب تشدده ورفضه تقديم تنازلات.
هذه المقارنة تعكس، في نظر المجلة، صعوبة انتزاع تنازلات جوهرية من موسكو في المرحلة الحالية، خاصة في ظل ما تعتبره القيادة الروسية مكاسب ميدانية يجب تثبيتها سياسيًا.
واشنطن بين الحذر وحدود النفوذ
وترصد المجلة تحولًا في النبرة الأمريكية، خصوصًا مع صعود دونالد ترامب مجددًا إلى الواجهة السياسية. فبينما اتسم الخطاب الأمريكي في مراحل سابقة بقدر أكبر من الحسم، يبدو الآن أكثر حذرًا، مدركًا لحدود القدرة الغربية على فرض إيقاعها على موسكو.
وبحسب التحليل، يفشل الوسطاء الأمريكيون حتى الآن في بسط سيطرة كاملة على جدول الأعمال التفاوضي، إذ تُؤجَّل القضايا الجوهرية مرارًا أو تُستبدل بنقاشات إجرائية لا تمس جوهر الخلاف. كما تعترف المجلة بأن الولايات المتحدة وأوروبا، حتى في حال تنسيقهما المشترك، لا تملكان نفوذًا كافيًا لإجبار روسيا على تغيير حساباتها الاستراتيجية، بينما يبدو الموقف أكثر هشاشة إذا تحرك كل طرف بمفرده.
مسار لتحسين الشروط… لا لصناعة السلام
رغم التعاطف الواضح الذي يبديه كتاب “غرفة الحرب” مع كييف، فإنهم يخلصون إلى استنتاج واقعي مفاده أن محادثات جنيف، في صيغتها الحالية، لن تفضي على الأرجح إلى اتفاق سلام شامل، لكنها قد تشكل منصة لتحسين المواقع التفاوضية وشراء الوقت بانتظار تبدلات أوسع في موازين القوى.
