بين رفض الحرب وإدارة التصعيد: واشنطن على حافة القرار

معتز منصور – كاتب وباحث سياسي
حين تعلن إليزابيث وارن رفضها للحرب مع إيران، وحين يخرج زعيم الديمقراطيين في الكونغرس، بعد إحاطة مغلقة مع ماركو روبيو، ليقول إن الأمر خطير ويجب توضيحه للشعب، فنحن أمام لحظة تتجاوز السجال الحزبي إلى اختبار عميق لطبيعة القرار في الولايات المتحدة. المسألة ليست سؤالًا عسكريًا مجردًا، بل سؤال أولويات، وسؤال توازن بين الداخل والخارج، وسؤال قدرة النظام السياسي على ضبط مسار التصعيد قبل أن يتحول إلى مسار ذاتي الحركة.
الخطاب الرافض للحرب لا يصدر عن نزعة مثالية، بل عن تجربة تراكمت عبر عقدين من الحروب المكلفة. المجتمع الأمريكي، الذي تحمل كلفة بشرية ومالية ضخمة، بات أكثر حساسية تجاه أي مواجهة مفتوحة بلا سقف زمني واضح. غير أن هذه الحساسية لا تعني انسحابًا من العالم، ولا تعني تخليًا عن استخدام القوة. الفارق دقيق؛ فالرأي العام قد يرفض حربًا ممتدة، لكنه قد يقبل عملًا عسكريًا محدودًا إذا جرى تقديمه بوصفه ضرورة ردعية لا مغامرة توسعية.
في هذا السياق، تعيد وارن تعريف الأمن القومي من زاوية اجتماعية. فكل تصعيد واسع يعني إعادة توجيه الموارد من تحسين مستوى معيشة الأسر العاملة إلى الإنفاق العسكري. هنا يتحول الجدل حول إيران إلى جدل حول توزيع الثروة داخل الدولة نفسها: هل تكون الأولوية لتثبيت الردع في الخارج، أم لمعالجة التفاوت الاقتصادي في الداخل؟ هذا التوتر ليس عابرًا، بل يعكس انقسامًا بنيويًا حول تعريف القوة ومعناها.
الإحاطة المغلقة تضيف بعدًا أكثر حساسية. حين يطالب قياديون في الكونغرس الإدارة بتوضيح موقفها للرأي العام، فذلك يعني أن التقديرات المعروضة خلف الأبواب المغلقة تحمل عناصر قلق حقيقي. تاريخ العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية يُظهر أن مثل هذه اللحظات تكون إما تمهيدًا لتقييد صلاحيات الرئيس، أو محاولة استباق لتحميله المسؤولية السياسية إذا وقع التصعيد. في الحالتين، نحن أمام فجوة بين المعطى الاستخباري والسردية العلنية.
لا يمكن فصل المشهد عن إرث الانسحاب من الاتفاق النووي في عهد دونالد ترامب. ذلك القرار لم يؤدِّ إلى حرب شاملة، لكنه فتح مرحلة ضغط اقتصادي مكثف واحتكاكات غير مباشرة. كانت حالة بين الحرب والسلام، توترًا دائمًا مضبوط الإيقاع. غير أن هذا النوع من البيئات يحمل خطرًا كامنًا؛ إذ يكفي خطأ تقدير أو حادث ميداني محدود ليتحول المسار إلى تصعيد متدرج يصعب احتواؤه.
التحليل المنهجي يقتضي التفريق بين نية الحرب ودينامية الحرب. قد لا تكون لدى الإدارة رغبة في مواجهة مفتوحة، لكن تراكم العقوبات، وتعزيز الانتشار العسكري، وضغط الحلفاء الإقليميين، وردود الفعل الإيرانية عبر ساحات متعددة، كلها عوامل تنتج تفاعلًا قد يتجاوز نيات أصحابه. في مثل هذه البيئات، لا يكون السؤال من يريد الحرب، بل من يستطيع إيقاف سلسلة الأفعال وردود الأفعال إذا بدأت.
من زاوية ميزان الردع، فإن أي مواجهة واسعة لن تبقى محصورة؛ فالتأثير سيمتد إلى أسواق الطاقة، وحركة الملاحة، واستقرار عدة ساحات إقليمية. لذلك تبدو الحرب الشاملة خيارًا عالي الكلفة لجميع الأطراف. غير أن خطورة اللحظة لا تكمن في قرار معلن بالحرب، بل في احتمال انزلاق غير مقصود نحوها.
بين خطاب يرفع شعار «لا للحرب»، وتحذيرات تتحدث عن خطورة الموقف، تقف واشنطن أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على الردع من دون دفع المنطقة إلى حافة الاشتعال، وإدارة الخلاف الداخلي من دون تحويله إلى شلل مؤسسي. في هذه المساحة الضيقة يتحدد المسار، ليس عبر الشعارات، بل عبر قدرة النظام السياسي على تحويل التقدير الاستراتيجي إلى سياسة منضبطة، تمنع الانفعال من أن يصبح قرارًا، وتمنع التكتيك من أن يفرض نفسه كقدر.
