محادثات جنيف بين واشنطن وطهران: اختبار جديد لإحياء المسار النووي

كتب: سمير سليم
في جنيف، عادت القناة الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة عبر محادثات استمرت ثلاث ساعات، عكست إدراكًا متبادلًا بأن إدارة التصعيد باتت أولوية لا تقل أهمية عن أي اتفاق محتمل. الاجتماع جاء بصيغتين: وساطة عُمانية، وأخرى مباشرة بين ممثلي البلدين، في إشارة إلى رغبة الطرفين في إبقاء خطوط التواصل مفتوحة، مع الحفاظ على هوامش مناورة سياسية.
صيغتان للتفاوض… ورسالة مزدوجة
الوساطة التي قادها وزير الخارجية العُماني تعكس استمرار مسقط في لعب دور قناة خلفية موثوقة بين واشنطن وطهران، بينما تعكس الجلسة المباشرة قدرًا من الجدية في اختبار نقاط الالتقاء. وشارك في المحادثات المدير العام لـالوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، ما أضفى بُعدًا فنيًا ورقابيًا على النقاشات، وربط أي تفاهم سياسي بإطار تقني قابل للتحقق.
مسودة إيرانية وشروط أمريكية
قدّمت طهران مسودة مقترحاتها بشأن الاتفاق النووي، في خطوة تشير إلى انتقالها من موقع رد الفعل إلى محاولة صياغة أرضية تفاوضية جديدة. في المقابل، أصرّت واشنطن على أن يكون الاتفاق المرتقب مفتوح المدة، بما يمنع تكرار إشكالية “بنود الغروب” التي ميّزت اتفاق 2015.
كما طالبت الولايات المتحدة إيران بالتخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب، والمقدّر بنحو 10 آلاف كيلوغرام، وهو مطلب يهدف إلى إطالة “الوقت اللازم للاختراق النووي” (breakout time). غير أن واشنطن أبدت مرونة نسبية إزاء مبدأ تخصيب اليورانيوم، بشرط تقديم ضمانات تقنية صارمة تثبت استحالة تحويل البرنامج إلى مسار عسكري.
عقدة التخصيب: بين السيادة والرقابة
تتمسك إيران بحقها في تخصيب اليورانيوم باعتباره حقًا سياديًا مكفولًا ضمن معاهدة عدم الانتشار، وترى أن أي اتفاق لا يعترف بهذا الحق صراحة سيكون سياسيًا هشًا داخليًا. أما الولايات المتحدة، فتسعى إلى صيغة توازن بين الاعتراف المشروط بالتخصيب، وتوسيع صلاحيات التفتيش والمراقبة، وربما إعادة تفعيل آليات تحقق أكثر صرامة.
وجود غروسي في المحادثات يعكس أن أي اتفاق لن يكون سياسيًا صرفًا، بل تقنيًا بامتياز، قائمًا على معايير قياس دقيقة لمستويات التخصيب، وحجم المخزون، وطبيعة أجهزة الطرد المركزي المستخدمة.
السياق الإقليمي والدولي
تأتي هذه الجولة في ظل توترات إقليمية متصاعدة، وضغوط داخلية على الطرفين. في واشنطن، تواجه الإدارة الأمريكية انتقادات بين من يرى ضرورة تشديد الضغوط، ومن يفضل تجنب انزلاق عسكري جديد في الشرق الأوسط. وفي طهران، تتداخل الحسابات النووية مع الاعتبارات الاقتصادية، خاصة في ظل استمرار العقوبات وتأثيرها على الداخل الإيراني.
إقليميًا، تراقب دول الخليج وإسرائيل مسار المحادثات بحذر، إذ تخشى الأولى من تداعيات انهيار المفاوضات، بينما تتحفظ الثانية على أي اتفاق لا يقيّد البرنامج الإيراني بشكل جذري وطويل الأمد.
سيناريوهات محتملة
اتفاق مرحلي: قد يتجه الطرفان إلى صيغة انتقالية تشمل تجميدًا متبادلًا لبعض الأنشطة مقابل تخفيف محدود للعقوبات.
اتفاق موسّع طويل الأمد: يتضمن ترتيبات رقابية مشددة وتفاهمات أوسع بشأن مدة القيود.
تعثر وتصعيد محسوب: استمرار المحادثات دون اختراق حاسم، مع إدارة التوتر بدل حسم.
محادثات جنيف لا تعني بالضرورة قرب التوصل إلى اتفاق، لكنها تعكس إدراكًا مشتركًا بأن كلفة الانهيار الكامل للمسار التفاوضي أعلى من كلفة الاستمرار فيه. وبين مطلب “اتفاق مفتوح المدة” وحق “التخصيب المشروط”، يتحدد مستقبل التوازن النووي في المنطقة.
السؤال لم يعد فقط: هل سيتم التوصل إلى اتفاق؟ بل: أي نوع من الاتفاق يمكنه الصمود سياسيًا وتقنيًا في آنٍ واحد؟
