إبداعات عربيةعاجلمقالات

خرافة “نهاية الزمان”.. وحقيقة نهاية الرأسمالية

بقلم: مصطفى السعيد

تنتشر في السنوات الأخيرة داخل بعض الأوساط الدينية في الولايات المتحدة وأوروبا روايات تتحدث عن اقتراب ما يسمى بـ”نهاية الزمان”. هذه الروايات، التي تستند إلى تفسيرات توراتية وإنجيلية، تتحدث عن معركة كبرى تُعرف بـ”هرمجدون”، وعن جيوش تمثل قوى الشر تزحف نحو إسرائيل، قبل أن يظهر المسيح ليقود المؤمنين إلى النصر. ووفقًا لهذه التصورات، فإن تحقق تلك النبوءات يتطلب أولًا قيام “إسرائيل الكبرى”، وإقامة الهيكل، وتهيئة المسرح التاريخي لما يعتقدون أنه المعركة الفاصلة في التاريخ.

قد تبدو هذه الأفكار للوهلة الأولى مجرد معتقدات دينية هامشية، لكنها في الواقع لم تعد كذلك. فقد تحولت، بمرور الوقت، إلى تيار واسع داخل قطاعات من اليمين الديني في الولايات المتحدة، وتلقفتها مراكز نفوذ سياسية ومالية، وعملت على الترويج لها عبر وسائل الإعلام والأفلام والكتب والرحلات المنظمة إلى المواقع التي يُعتقد أنها مسرح معركة هرمجدون في شمال فلسطين. وهكذا تحولت الأسطورة الدينية إلى سردية سياسية تُستثمر في توجيه الرأي العام وتعبئة الجماهير.

التاريخ يخبرنا أن توظيف الدين في الصراعات السياسية ليس أمرًا جديدًا. فقد استخدمت الإمبراطوريات عبر العصور الرموز والمعتقدات الدينية لتعبئة الجيوش وتحفيز الشعوب على خوض الحروب. غير أن ما يثير الانتباه اليوم هو التلاقي الواضح بين هذه السرديات الدينية وبين مصالح النظام الرأسمالي العالمي الذي يواجه أزمات متكررة ومتفاقمة.

فالرأسمالية العالمية، منذ الأزمة المالية الكبرى عام 2008، تعاني اختلالات عميقة: اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، تراجع الطبقة الوسطى، وتزايد التوترات الجيوسياسية. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، كثيرًا ما تلجأ النخب الحاكمة إلى خلق سرديات كبرى تعب mobilize الجماهير وتمنح الصراعات الجارية طابعًا وجوديًا أو مقدسًا.

ومن هنا يمكن فهم صعود الخطاب الذي يخلط بين السياسة والدين، ويصور الصراعات الدولية باعتبارها معارك بين الخير والشر. في هذا السياق، يصبح من السهل تجييش قطاعات واسعة من الناس خلف مشاريع سياسية أو عسكرية، لأنهم يعتقدون أنهم يشاركون في تحقيق نبوءة أو رسالة تاريخية.

اللافت أن هذه الظاهرة لا تقتصر على دين أو ثقافة بعينها. فقد شهد العالم في مراحل مختلفة توظيفًا مشابهًا للدين في صراعات سياسية، سواء في الشرق أو الغرب. الفكرة الأساسية واحدة: تعبئة الجماهير عبر خطاب عقائدي يمنح الصراع بعدًا مقدسًا، ويبرر التضحيات الكبرى.

وفي الشرق الأوسط تحديدًا، تتقاطع هذه السرديات الدينية مع مشاريع سياسية وجيوسياسية معقدة. فبعض التيارات المتشددة في إسرائيل تتحدث عن حدود تمتد بين النيل والفرات، بينما يرى بعض الإنجيليين في الغرب أن دعم إسرائيل جزء من تحقيق نبوءات دينية. وهكذا تتداخل الأسطورة مع السياسة، ويتحول الدين إلى أداة في صراع المصالح.

لكن قراءة التاريخ تشير إلى أن مثل هذه السرديات غالبًا ما تظهر في لحظات التحول الكبرى في النظام الدولي. فعندما يدخل نظام اقتصادي أو سياسي مرحلة أزمة عميقة، تبرز محاولات لإعادة تشكيل العالم عبر القوة أو عبر خلق روايات كبرى تعيد تعبئة المجتمعات.

لذلك فإن الحديث المتزايد عن “نهاية الزمان” قد لا يكون في جوهره تعبيرًا عن نهاية التاريخ، بقدر ما يعكس قلقًا عميقًا داخل النظام العالمي القائم. إنه قلق من تحولات كبرى قد تعيد رسم موازين القوة الاقتصادية والسياسية في العالم.

وبين الأسطورة والواقع، يبقى السؤال الحقيقي: هل نحن أمام اقتراب نهاية العالم كما يروج البعض، أم أننا نشهد ببساطة مرحلة جديدة من مراحل التحول التاريخي، ربما تكون مقدمة لنهاية نظام اقتصادي وسياسي عاش قرونًا طويلة؟

التاريخ لا ينتهي بالأساطير، بل يتحرك بفعل صراعات المصالح والتحولات الاقتصادية. وربما تكون الحقيقة الأقرب إلى الواقع أن ما يقترب من نهايته ليس “الزمان”، بل مرحلة تاريخية من هيمنة نظام عالمي يواجه اليوم تحديات غير مسبوقة.

زر الذهاب إلى الأعلى