: حافة الانفجار الإقليمي

معتز منصور – كاتب وباحث سياسي
فجرٌ يكتب نفسه بلغة مختلفة، لا لأن الوقائع تغيّرت جذريًا، بل لأن معناها بدأ ينفلت من السيطرة. هنا، لا يعود الحدث خبرًا يُروى، بل اختبارًا قاسيًا لحدود القوة، ولمدى قدرة كل طرف على الاستمرار في لعبة حافة الهاوية دون أن يسقط فيها. ما نشهده ليس تصعيدًا عاديًا، بل انتقال بطيء، لكنه واضح، من إدارة الصراع إلى مجازفة مفتوحة على احتمالات لا يمكن ضبطها بالكامل.
في هذا السياق، يظهر إنذار دونالد ترامب بوصفه علامة توتر لا علامة سيطرة. حين تُمنح مهلة زمنية ضيقة لفتح مضيق هرمز، مرفقة بتهديد مباشر للبنية الطاقوية، فإن الرسالة لا تُقرأ فقط بما تقوله، بل بما تخفيه. هذا النوع من الخطاب يعكس استعجالًا، بل قلقًا من مسار يتجاوز القدرة على التحكم. فالدول التي تملك زمام المبادرة لا تربط قراراتها بساعات، ولا تضع نفسها أمام اختبار علني قد يتحول إلى مأزق إذا لم تُنفّذ التهديدات.
لكن الأهم ليس في الإنذار ذاته، بل في طبيعة الرد المقابل. ما تقدمه إيران ليس مجرد ردع تقليدي، بل إعادة تعريف لساحة الصراع. التلويح باستهداف البنية التحتية للطاقة وتحلية المياه لا يُقصد به فقط رفع الكلفة، بل نقل المواجهة من المجال العسكري إلى المجال الوجودي. هنا، تتحول الحرب من صراع جيوش إلى صراع قدرة على الاستمرار؛ لأن ضرب المياه في الخليج لا يعني تعطيل منشأة، بل تهديد حياة مدن كاملة. وهذا تحديدًا ما يمنح التهديد ثقله، ويجعله يتجاوز كونه ورقة ضغط إلى كونه معادلة ردع جديدة.
في المقابل، تبدو إسرائيل أمام معادلة أكثر تعقيدًا مما تسمح به روايتها الرسمية. الضربات التي تصل إلى العمق لم تعد مجرد اختراقات محدودة يمكن احتواؤها إعلاميًا، بل تحولت إلى نمط يضغط على فكرة الحصانة نفسها. المسألة لا تتعلق بعدد الصواريخ أو الإصابات، بل بتكرار القدرة على الوصول. حين يصبح العمق مكشوفًا نسبيًا، فإن الردع لا ينهار فورًا، لكنه يبدأ بفقدان أهم عناصره: اليقين. واليقين، في معادلات القوة، هو نصف الانتصار.
ومع ذلك، فإن القفز إلى إعلان السقوط الكامل يظل مبالغة. ما يجري هو تآكل تدريجي، لا انهيار شامل. الأنظمة العسكرية، خصوصًا تلك المدعومة من الولايات المتحدة، لا تفقد قدرتها بضربة أو موجة، بل عبر مسار طويل من الاستنزاف، حيث تتراكم الضغوط العملياتية والنفسية، وتُختبر القدرة على التكيف. ما يتشكل الآن هو بيئة ضغط مستمر، لا لحظة حسم نهائية.
في الجبهة اللبنانية، يتجلى شكل مختلف من إدارة الصراع. الجمود الظاهري ليس فراغًا، بل تعبير عن توازن دقيق. بقاء الاشتباك ضمن حدود محسوبة يعكس إدراكًا عميقًا لكلفة الانفجار الشامل. لا أحد هنا يسعى إلى الحرب الكاملة، لكن أحدًا أيضًا لا يتراجع. هذه المنطقة الرمادية هي أخطر ما في المشهد، لأنها تسمح باستمرار التصعيد دون أن تفرض نهايته. إنها إدارة للوقت بقدر ما هي إدارة للنار.
أما على المستوى الدولي، فإن النقاش حول استنزاف القدرات الأمريكية يكتسب بعدًا يتجاوز الشرق الأوسط. الحديث عن ضغط على المخزونات، أو عن استخدام مكثف لمنظومات مثل “باتريوت” و”توماهوك”، لا يعني بالضرورة عجزًا فوريًا، لكنه يطرح سؤال الأولويات. حين تنخرط الولايات المتحدة في ساحة تستنزف أدواتها دون حسم، فإن ذلك ينعكس على حساباتها في مناطق أخرى، خصوصًا في تايوان، حيث تراقب الصين كل تفصيل.
القلق هنا ليس من نفاد المخزون، بل من دلالة استخدامه. لأن القوة لا تُقاس فقط بما تملكه، بل بكيفية توظيفه، وبقدرتك على الحفاظ على صورة الردع في أكثر من ساحة في الوقت ذاته. وإذا بدأت هذه الصورة بالتشقق، فإن التأثير يتجاوز ساحة واحدة ليطال شبكة التحالفات بأكملها.
كل هذه المسارات تقود إلى لحظة لا يمكن اختزالها بثنائية النصر والهزيمة. ما نشهده هو إعادة تشكيل بطيئة لموازين القوة، حيث تتآكل الهيبة التقليدية دون أن تتبلور بدائل مستقرة بعد. إيران ترفع السقف تدريجيًا، مستفيدة من إدراك خصومها لكلفة الانفجار الكبير. والولايات المتحدة تحاول ضبط الإيقاع دون الانجرار إلى حرب شاملة، بينما تجد إسرائيل نفسها في مساحة ضيقة بين ضرورة الرد وخطر التصعيد.
اللحظة الراهنة ليست لحظة حسم، بل لحظة اختبار. اختبار للإرادات، وللقدرة على الاحتمال، ولحدود القوة نفسها. أخطر ما فيها ليس ما وقع بالفعل، بل ما أصبح قابلًا للوقوع. لأن الحروب الكبرى لا تبدأ بقرار مفاجئ، بل بسلسلة من الخطوات التي يعتقد كل طرف أنه قادر على التحكم بها، حتى يكتشف، متأخرًا، أن السيطرة كانت وهمًا.
وفي هذا الهامش الضيق بين التصعيد والانفجار، يُعاد رسم شكل المنطقة، لا بضربة واحدة، بل بتراكم الضربات، وببطء يكاد لا يُرى، لكنه حين يكتمل، يغيّر كل شيء.
