متنوعات

ماذا بعد “الضربة القاضية”؟ السؤال الغائب في حرب أمريكا مع إيران

بقلم: سامح عسكر

في كل مرة تتصاعد فيها نبرة التهديد، ويُطرح سيناريو “الضربة القاضية” ضد إيران، يغيب السؤال الأهم: ماذا بعد؟

ليس لأن الإجابة معقدة، بل لأن طرح السؤال نفسه يكشف حجم المأزق.

التجارب السابقة، خصوصًا في عهد دونالد ترامب، تشير إلى نمط واضح: قرارات سريعة، تصعيد محسوب تكتيكيًا، لكن بلا رؤية استراتيجية متكاملة لما يلي الضربة. وهنا تكمن المشكلة، لا في بدء الحرب بل في إدارتها.

وهم “الضربة الحاسمة”

الافتراض بأن السيطرة على السواحل الإيرانية أو بعض الجزر في الخليج يمكن أن يضمن فتح مضيق هرمز بالقوة، هو تبسيط مخل لطبيعة الصراع. فالحروب الحديثة، خصوصًا في بيئات غير متكافئة، لا تُحسم بالسيطرة الجغرافية فقط، بل بالقدرة على الاستمرار.

إيران لا تحتاج إلى السيطرة على البحر كي تغلقه، بل يكفي أن تجعله غير آمن.

بضع صواريخ، ألغام بحرية، ومسيرات منخفضة التكلفة يمكنها تحويل واحد من أهم الممرات الملاحية في العالم إلى منطقة خطر دائم. وهنا يتحول “الانتصار العسكري” إلى عبء استراتيجي.

الجغرافيا التي تقاتل

مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل نقطة اختناق عالمية.

ضيقه، قربه من السواحل الإيرانية، وتعقيد تضاريسه، كلها عوامل تمنح المدافع أفضلية طبيعية. أي قوة مهاجمة ستجد نفسها مكشوفة، ثابتة نسبيًا، وتحت تهديد دائم من البر.

معضلة “الاحتلال بلا سيطرة”

حتى لو نجحت قوة عسكرية في السيطرة على جزيرة أو شريط ساحلي، فإن السؤال لا ينتهي عند “كيف نحتل؟” بل يبدأ عند “كيف نحتفظ؟”

القوات الأمريكية، رغم تفوقها، ليست مصممة للبقاء طويلًا تحت تهديد مستمر منخفض الكثافة وعالي التأثير. كل قاعدة تتحول إلى هدف، وكل سفينة حماية تصبح نقطة ضعف إضافية.

النتيجة؟ استنزاف بطيء، مكلف، وغير مضمون النهاية.

الحرب التي لا تبقى في مكانها

الرهان على بقاء المواجهة داخل حدود المضيق رهان ساذج. إيران بنت استراتيجيتها على توسيع ساحة المعركة، لا تضييقها.

أي تصعيد هناك قد يمتد إلى:

قواعد عسكرية في الخليج

ممرات بحرية أخرى

ساحات إقليمية متعددة

بمعنى آخر: لا توجد حرب “محدودة” حين يتعلق الأمر بإيران.

العالم ليس متفرجًا

في عالم متعدد الأقطاب، لا تتحرك القوى الكبرى في فراغ.

الصين لن تقبل بسهولة بتهديد إمدادات الطاقة، وروسيا ترى في أي استنزاف أمريكي فرصة استراتيجية.

أما أوروبا، فتميل تاريخيًا إلى تجنب التصعيد الذي يهدد الاقتصاد العالمي.

بالتالي، أي مغامرة عسكرية قد تتحول سريعًا إلى أزمة دولية واسعة، لا مجرد عملية محدودة.

بين القوة والعقل

المشكلة ليست في القدرة على توجيه ضربة، بل في القدرة على تحمل تبعاتها.

الحروب لا تُقاس بلحظة البداية، بل بمآلاتها. وكل سؤال بلا إجابة قبل المعركة، يتحول إلى أزمة بعدها.

“ماذا بعد؟” ليس سؤالًا فلسفيًا، بل هو جوهر القرار العسكري الرشيد.

وتجاهله لا يعني إلا شيئًا واحدًا: أن الضربة، مهما بدت قاضية، قد تكون بداية مأزق أكبر.

في النهاية، قد لا تكون المشكلة في قوة السلاح، بل في غياب الخطة.

زر الذهاب إلى الأعلى