الكمين الذي فضحهم

معتز منصور – كاتب وباحث سياسى
حين يُقرّ إعلام العدو بإخلاء 24 إصابة من صفوف الجيش الإسرائيلي نتيجة كمين نفذه الحزب في جنوب لبنان، فنحن لا نكون أمام رقم، بل أمام انكشاف.
المسألة هنا ليست في عدد المصابين، بل في طبيعة اللحظة التي سُمح لهذا الرقم أن يظهر فيها إلى العلن. في العقيدة الإعلامية الإسرائيلية، الخسارة تُدار كما تُدار المعركة، تُخفى إن أمكن، وتُختزل إن لزم، وتُبرَّر دائما. لذلك، حين يخرج رقم بهذا الوضوح، فهذا يعني أن ما جرى لم يعد قابلا للاحتواء داخل غرف التقدير.
الكمين، بطبيعته، ليس مجرد فعل قتالي، بل بيان ميداني مكثف. هو إعلان عن سيطرة زمنية ومكانية في آن واحد. زمن لأن المنفذ يختار لحظة الاشتباك بدقة، ومكان لأن الهدف يُسحب إلى نقطة لا يملك فيها حرية المناورة. بهذا المعنى، الكمين ليس اشتباكا، بل فرضُ معادلة.
ما يكشفه هذا الحدث أعمق من الخسائر البشرية. نحن أمام خلل مركب. أولُه استخباري، حيث فشلت منظومات الرصد في التقاط نية الاستدراج أو تفكيك بيئة التهديد. ثانيه تكتيكي، حيث تقدمت قوة إلى حيز لم تعد تملك فيه تفوقها الناري المعتاد. وثالثه نفسي، وهو الأخطر، إذ يتحول عنصر المبادرة من يد الجيش إلى يد خصمه.
هنا يتغير تعريف التفوق. لم يعد مرتبطا بحجم القوة أو كثافة النيران، بل بقدرة طرف على جعل الآخر يتحرك داخل مسرح مُعدّ له سلفا. هذه ليست خسارة في اشتباك، بل تآكل في حرية الحركة.
الأخطر أن تكرار هذا النمط، إن حدث، لن يُنتج مجرد أرقام أعلى، بل سيُعيد تشكيل سلوك الميدان نفسه. كل تقدم سيصبح مشروطا بالشك، وكل حركة ستُقرأ باعتبارها احتمال كمين. وعند هذه النقطة، لا تعود المشكلة في عدد الإصابات، بل في شلل الإرادة القتالية.
بكلمات أبسط، ما جرى لا يُقاس بعدد من نُقلوا إلى المستشفيات، بل بعدد الخيارات التي أُغلقت أمام الجيش الإسرائيلي في الميدان. هنا تبدأ الهزيمة الحقيقية، لا حين تُسجَّل الخسائر، بل حين يُعاد تعريف ما هو ممكن وما هو مستحيل
