حين فشل السيناريو السوري في مصر

بقلم: سامح عسكر
بعيداً عن ضجيج الحرب الدائرة في الإقليم، مرّ خبر أمني بالغ الأهمية ربما لم يحظَ بما يستحقه من نقاش وتحليل. فقد أعلنت مصر القبض على أحد قيادات حركة “حسم” الإرهابية، المدعو علي عبد الونيس، عبر تنسيق دولي مع الإنتربول بعد توقيفه في نيجيريا. خبر كهذا لا ينبغي قراءته بوصفه نجاحاً أمنياً عابراً، بل باعتباره حلقة جديدة في معركة طويلة خاضتها الدولة المصرية ضد مشروع تفكيك شامل كان يستهدفها.
القصة أعمق من مجرد توقيف عنصر إرهابي. نحن أمام محاولة ممنهجة سعت، منذ ما بعد عام 2013، إلى نقل نموذج الفوضى الذي ضرب دولاً عربية أخرى إلى الداخل المصري. هذا المشروع لم يكن عشوائياً، بل استند إلى أذرع تنظيمية مثل “حسم” وغيرها من الكيانات المسلحة التي حاولت فرض واقع جديد قائم على العنف، واستهداف مؤسسات الدولة، وإشعال صراع داخلي على أسس دينية وطائفية.
في تلك المرحلة، تزامن صعود هذه الجماعات مع مشهد إقليمي مضطرب، حيث برزت نماذج متطرفة في دول مثل سوريا، واستغلت حالة السيولة السياسية والأمنية لتفرض نفسها بالقوة. الفارق الجوهري أن مصر، بخلاف تلك التجارب، نجحت في احتواء هذا المسار مبكراً، ومنعت تحوله إلى واقع دائم.
لم يكن الهدف فقط إسقاط الدولة، بل إعادة تعريف “العدو” في وعي المصريين. بدلاً من الصراع التقليدي مع الاحتلال الإسرائيلي، كان المخطط يسعى إلى نقل بوصلة العداء نحو الداخل، عبر إذكاء خطاب تكفيري يستهدف مكونات المجتمع المختلفة: مسيحيين، شيعة، صوفيين، وغيرهم. هذه هي الوصفة الكلاسيكية لكل مشروع تفكيكي: ضرب النسيج الاجتماعي أولاً، ثم إسقاط الدولة لاحقاً.
القبض على علي عبد الونيس يكشف أيضاً جانباً مهماً يتعلق بتفكك هذه الشبكات خارجياً. فحالة الهلع التي أصابت بعض العناصر الهاربة، وإغلاق حساباتهم الإلكترونية، تعكس إدراكاً متزايداً بأن الملاحقة لم تعد محلية فقط، بل أصبحت عابرة للحدود، وهو ما يضيّق الخناق على أي محاولة لإعادة تنظيم الصفوف.
لكن الأهم من ذلك كله هو الدرس الاستراتيجي: أن ما جرى في دول أخرى لم يكن قدراً محتوماً، بل نتيجة غياب الدولة أو تآكلها. مصر، بمؤسساتها وتماسك مجتمعها، استطاعت أن تفشل هذا السيناريو، وتمنع انزلاقها إلى نموذج الفوضى الشاملة.
إن استدعاء ما يحدث في بعض مناطق الإقليم اليوم، بما يشهده من اعتداءات طائفية واستعراضات قوة من جماعات متشددة، يذكرنا بحجم الخطر الذي تم تجنبه. فحين تغيب الدولة، لا يملأ الفراغ سوى العنف، وحين يُسمح للخطاب التكفيري بالتمدد، يتحول المجتمع إلى ساحة صراع مفتوح.
في النهاية، لا يمكن النظر إلى هذا الحدث بمعزل عن سياقه الأوسع. إنه تأكيد جديد على أن معركة الدولة ضد الإرهاب لم تكن فقط لحماية الأمن، بل للحفاظ على هوية المجتمع ومنع انقسامه. وربما يكون هذا هو الانتصار الأهم: أن تظل مصر دولة، لا ساحة صراع.
