تصفية القضية الفلسطينية في “أجندة” الحرب على إيران

كتب: هانى الكنيسى
في كتاب “مكان بين الأمم”، الذي لخّص به رئيس الوزراء الاسرائيلى نتنياهو عام 1993 (عندما كان لا يزال عضوًا في الكنيست) أيديولوجيته السياسية تجاه القضية الفلسطينية، كان واضحًا تركيزه على إعادة صياغة القصة “الاستعمارية” في سردية “صراع حضاري” مصيري بين العرب وحاضنتهم الإسلامية من جهة، والغرب وربيبته الإسرائيلية من جهة مقابلة. إذ كتب نصًا: “منظمة التحرير الفلسطينية هي حصان طروادة قومي عربي… يحاول العرب إقناع الغرب بقبوله منذ أكثر من عشرين عامًا”.
واعتبر نتنياهو آنذاك أن “فلسطين مجرد عَرَض وليست السبب في العداء العربي والإسلامي تجاه إسرائيل”، وأن التفاوض على أي تسوية إقليمية مع الفلسطينيين سيكون عبثاً طالما أن “قوى خارجية تُمسك بزمام الأمور”. وبناءً على ذلك التصور، خلص إلى أن “عراق صدام حسين هو التهديد الأول للشرق الأوسط ولإسرائيل”.
لكن بعد تدمير الجيش العراقي في حرب الخليج، وفرض عقوبات خانقة على نظام صدام وشعبه، بحث نتنياهو على “خطر أول” بديل، تعزيزًا لنظريته عن “الصراع الحضاري”، ووجد ضالته في إيران. فحرص طوال التسعينيات على إبراز دعم طهران لحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين المحتلة وحزب الله في لبنان المهترئ، وكتب عقب توليه رئاسة وزراء إسرائيل للمرة الأولى عام 1996 “إيران هي مركز الإرهاب العالمي اليوم”، ثم ألقي خطابا أمام الكونغرس الأمريكي مشدّدا على أن إيران هي “أخطر الأنظمة في الشرق الأوسط”.
وبعد ثلاثة عقود بالضبط من ذلك التاريخ، يبدو أن النتنياهو قد نجح في ترسيخ هذه “السردية” في الوعي العام الغربي (الأمريكي بالأخص)، لتبرير الحرب التدميرية على إيران، بوصفها دفاعًا استباقيًا “مشروعًا” عن النفس، ودرءًا لخطر السلاح “النووي” (الوهمي) في يد الحرس الثوري، وتحجيمًا لتمدد أذرع “الإرهاب” الإسلامي في الشرق الأوسط.
لكن الباحث والكاتب اليهودي المتخصص ‘جوناثان شامير’ (نائب رئيس تحرير صحيفة ‘هآرتس’ العبرية سابقًا) يرى في مقاله المنشور بمجلة ‘جويش كارنتس’ (أو “تيارات يهودية”) أن هدف هذه الحرب الأعمق هو “تهميش القضية الفلسطينية وإدارتها وفق الشروط الإسرائيلية، سواء عبر استمرار نظام الفصل العنصري وسياسة الإبادة والتهجير في غزة والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية”. ومن هذا المنظور، يعتمد النتنياهو فكرة “إعادة تشكيل الشرق الأوسط” بدلًا من تقديم أي تنازلات سياسية، حتى لو تطلب الأمر شن حروب باهظة التكاليف وتدمير طهران وأصفهان وتبريز، “بدلًا من التخلي عن دونم واحد في الضفة الغربية”.
ويذهب الكاتب الإسرائيلي إلى أن الحرب على إيران تُستخدم أيضًا لتقويض ضغوط القانون الدولي نتيجة الجرائم الإسرائيلية في غزة عقب هجمات 7 أكتوبر، بدءًا من دعوى الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا في ديسمبر 2023 أمام محكمة العدل الدولية، التي تلاها صدور قرار غير ملزم في يوليو 2024 بعدم شرعية الاحتلال، ثم إصدار الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 مذكرات توقيف بحق نتنياهو ووزير دفاعه ‘يوآف غالانت’، ووصولًا إلى الحكم الإلزامي في أكتوبر 2025 بتسهيل عمل وكالة اللاجئين الأممية “الأونروا” التي حاصرتها إسرائيل ودمرت مقارها وقتلت موظفيها.
وبالتوازي مع إعادة احتلال معظم قطاع غزة، تسارعت عمليات الاستيطان في الضفة الغربية وتواترت قرارات بناء مستوطنات غير قانونية وهدم المزيد من المساكن الفلسطينية في القدس ومحيطها، مع توفير حماية “أمنية” للهجمات اليومية من قِبل المستوطنين المسلحين، ما دفع سكان قرى مثل دوما والشقرة والخربة والعقبة إلى النزوح، وسط أوامر بعمليات تهجير أوسع.
هذه التطورات، بحسب المقال، تعزز فرضية النتنياهو بأن خلق “عداء حضاري” يمنح إسرائيل غطاءً لمواصلة انتهاكاتها ضد الفلسطينيين -شعبًا وأرضًا- دون رقابة دولية أو حساب من المنظمات القانونية. وبالتزامن مع تأليب الغرب على “العدو الإيراني”، لم يتوان اليمين الإسرائيلي عن الترويج في دوائر الإعلام والدبلوماسية لخطر تشكّل ملامح عدو “حضاري” جديد، متمثّلًا في “محور إسلامي سني متطرف” تقوده تركيا وقطر.
ومن بين أمثلة عدة يسوقها ‘شامير’ لترويج تلك السردية الإسرائيلية التي وصفت تركيا بأنها “تهديد وجودي” و”إيران الجديدة”، يستشهد بكلام ‘أميت سيغال’ كبير المحللين السياسيين في القناة العبرية N12، حين قال في 23 يناير الماضي “في غضون عشر سنوات، وربما أقل، سيحاول النظام السني الداعم للإرهاب في أنقرة السيطرة على الشرق الأوسط… لم يفت الأوان بعد للتحرك”.
ويلفت الكاتب الإسرائيلي إلى أن هذا التوجه “الأيديولوجي” ليس حكرًا على النتنياهو، بل يتبنّاه أيضًا خصومه السياسيون. إذ استغل زعيم المعارضة ‘يائير لابيد’ ما سُمّي “فضيحة قطر-غيت” (التي يُزعم فيها أن مساعدي نتنياهو تلقوا رشاوي من الدوحة) لاقتراح تصنيف قطر “دولة معادية” (رغم وساطتها لوقف إطلاق النار وتسليم الرهائن في غزة)، بينما سعى السياسي الصهيوني ‘يائير غولان’ علنًا لحشد مواقف أوروبية ضد تركيا وقطر.
وفي ختام مقاله، يحذر ‘شامير’ من أن استمرار هذه الاستراتيجية، بدعم من قوى دولية على رأسها الولايات المتحدة، سيرسخ نظامًا عالميًا يقوم على مبدأ “القوة هي الحق”، حيث ستتكرر الحروب “الاستباقية” ويتراجع دور القانون الدولي وتتوارى الأمم المتحدة.
لكن الأجدر بالملاحظة في هذا الطرح، أن الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، وبغض النظر عن نتائجها، قد تعني تآكل ما يُسمى رمزيًا بـ”القضية الفلسطينية”، وذوبان ما تبقى من أرض محتلة (في فلسطين وربما في لبنان وسوريا وغيرهما) في خريطة إسرائيل الكبرى والشرق الأوسط الجديد، على وقع انشغال العالم بمعارك “الصراع الحضاري”.
