إبداعات عربيةالهلال الخصيبعاجلمقالات

حرب القرن الفاصلة: مقامرة الهيمنة وصعود إرادة الصمود

بقلم: مصطفى السعيد

نحن أمام لحظة فارقة في التاريخ الحديث، لحظة قد تعيد تشكيل موازين القوى العالمية لعقود مقبلة. ما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل صراع إرادات بين مشروع هيمنة تقوده الولايات المتحدة، ومحاولات تحرر تتجسد بوضوح في التجربة الإيرانية.

الحديث عن انضمام ملايين المتطوعين إلى الحرس الثوري الإيراني خلال أيام قليلة، يعكس — بغض النظر عن دقة الأرقام — حقيقة لا يمكن تجاهلها: هناك بيئة داخلية مستعدة لتحمل كلفة المواجهة. هذه الحقيقة وحدها كافية لإسقاط كثير من السرديات التي روجت طويلاً لانهيار الداخل الإيراني عند أول اختبار جدي.

في المقابل، تبدو الصورة داخل المعسكر الأمريكي والإسرائيلي أكثر تعقيدًا. فالتقارير المتداولة عن حالات رفض داخل بعض الوحدات العسكرية الأمريكية للمشاركة في الحرب، إلى جانب مؤشرات القلق داخل المجتمع الإسرائيلي، تكشف أن معسكر القوة التقليدية ليس في أفضل حالاته، رغم تفوقه العسكري الهائل.

الرئيس Donald Trump يقف اليوم أمام معادلة شبه مستحيلة: فالتصعيد العسكري ضد Iran قد يفتح أبوابًا لخسائر بشرية واقتصادية ضخمة، ويعمق عزلة واشنطن حتى بين حلفائها، بينما التراجع سيُفسَّر كإقرار بفشل استراتيجية الهيمنة، وضربة قاصمة لصورة الولايات المتحدة كقوة لا تُقهر.

أما إيران، فقد تحولت — بحكم التجربة لا الشعارات — إلى نموذج لدولة استطاعت التكيف مع أقسى ظروف الحصار والعقوبات. على مدار أكثر من أربعة عقود، طورت قدراتها في مجالات متعددة، من الصناعة إلى التكنولوجيا، وصولًا إلى بناء منظومة عسكرية تعتمد على ما يمكن تسميته بـ”أسلحة الردع منخفضة التكلفة”، التي أثبتت فعاليتها في تغيير قواعد الاشتباك.

هذه المواجهة، في جوهرها، ليست فقط بين دولتين، بل بين تصورين للعالم: تصور يرى أن القوة العسكرية والاقتصادية تمنح حق السيطرة، وآخر يؤمن بإمكانية كسر هذه الهيمنة عبر الصمود وتطوير أدوات بديلة.

الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في نتائج هذه الحرب، بل في تداعياتها على دول الجنوب، التي قد تجد نفسها — مرة أخرى — ساحة لصراعات الكبار أو ضحية لنتائجها. فنجاح الولايات المتحدة في فرض إرادتها قد يفتح شهية التدخلات المباشرة في موارد هذه الدول، بينما فشلها قد يعيد تشكيل نظام دولي أكثر توازنًا، وإن كان ذلك لن يحدث دون فوضى انتقالية.

في النهاية، يبدو أن Donald Trump أمام خيارين كلاهما مُر: إما المضي في مواجهة قد تستنزف بلاده بشكل غير مسبوق، أو التراجع بما يحمله ذلك من خسارة للهيبة والنفوذ. وفي الحالتين، فإن العالم يقف على أعتاب مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز: نهاية اليقين وبداية إعادة تشكيل موازين القوة.

زر الذهاب إلى الأعلى