إبداعات عربيةالعرب وافريقياعاجلمقالات

كيف قاوم السودانيون الحرب بلا سلاح (6) “النساء في قلب الصمود”

بقلم: محمد إسماعيل 

كما وعدت اصدقائى قرّاء هذه السلسلة أكثر من مرة، أعود الآن للكتابة عن النساء ودورهن في هذه الحرب، وأعتذر عن التأخير الذي فرضته موضوعات أخرى شعرتُ بإلحاحها في لحظتها. لكن ربما هذا التأخير نفسه يكشف شيئاً مهماً: أن ما قامت به النساء كان حاضراً في كل ما كتبناه سابقاً، حتى عندما لم نسمّه صراحة. في سقوط الدولة، في النزوح، في التكايا، في حماية الأطفال… كانت النساء هناك دائماً، في القلب، لا على الهامش.

المشكلة ليست في غياب دور النساء، بل في طريقة سرد هذا الدور. في زمن الحرب، يميل الخطاب العام – محلياً وحتى عالمياً – إلى البحث عن “البطل”: رجل يحمل السلاح، يقاتل، يُقتل أو ينجو، ويُروى عنه. هذه الصورة، رغم حضورها، تختزل الواقع بشكل خطير، لأنها تحجب أشكالاً أخرى من الفعل، أقل صخباً، لكنها أكثر استمرارية وتأثيراً. ما فعلته النساء في هذه الحرب لم يكن بطولياً بالمعنى التقليدي، لكنه كان ضرورياً لبقاء المجتمع نفسه.

النساء لم يظهرن كـضحايا فقط، رغم أنهن دفعن ثمناً باهظاً شاهدنا توثيقه فى الميديا، بل كمديرات أزمات يوميات، يعملن في مستويات متعددة في آن واحد، وعندما اقول مديرات ازمات فانا اعنى هذا كشخص اشتغل وسط عدد من الازمات فى عدد من البلدان فانا اعنى المصطلح بما يحمله من معنى شامل. في البيوت التي امتلأت بالنازحين، كانت المرأة هي من تعيد توزيع المساحة، تقرر من ينام أين، كيف يُطبخ الطعام، كيف يُقسَّم، كيف يُدار النقص. في التكايا، كانت المرأة غالباً هي التي تطبخ، تنظم، تراقب الاستهلاك، وتضمن الاستمرارية. في حالات المرض، كانت هي من تبحث عن الدواء، تتواصل، ترافق، وتتابع. وفي لحظات التوتر والانهيار، كانت هي من تهدّئ، تمتص الصدمة، وتعيد تشكيل الحد الأدنى من التوازن. وعندما اقول المرأة هنا فانا لا اعنى المصطلح لتجريده الذاتى وانما اعنى امهاتنا واخواتنا وخالاتنا وعماتنا وجداتنا.

 

هذا العمل، في مجمله، لا يُرى بسهولة لأنه لا يُقدَّم كـإنجاز، بل كواجب يومي. لكنه، في الحقيقة، ما أبقى الحياة ممكنة. إدارة الغذاء في ظل الندرة ليست مسألة منزلية بسيطة، بل قرار سياسي-اقتصادي مصغّر يُتخذ كل يوم: من يأكل، كم يأكل، وكيف نُبقي الجميع على قيد الحياة. إدارة النزوح داخل البيت ليست فقط مسألة ضيافة، بل إعادة تعريف للأسرة نفسها. إدارة العلاج ليست مجرد رعاية، بل تنقل مستمر بين احتمالات النجاة والفقد. هذه كلها أشكال من الحكم، من الإدارة، لكن خارج مؤسسات الدولة التى انهارت، وبدون اعتراف رسمي.

 

في هذا السياق، يبرز غياب واضح للخطاب الذكوري البطولي التقليدي. ليس لأن الرجال غائبون، بل لأن النموذج الذي يقدّمه هذا الخطاب لا يفسّر ما يحدث فعلاً. الحرب هنا لم تُدار فقط في خطوط القتال، بل في المطابخ، في الغرف الضيقة، في صفوف الانتظار، في تفاصيل الحياة التي تُبقي المجتمع متماسكاً. النساء لم يحتجن إلى إعلان أنفسهن كـبطلات، لأن ما قمن به كان شرطاً لاستمرار الجميع، لا مادة للسرد.

 

واحدة من أهم مساهمات النساء كانت الحفاظ على النسيج الاجتماعي، ذلك الشيء الهشّ الذي يمكن أن ينهار بسرعة تحت ضغط الحرب. في ظروف الاكتظاظ، والضغط، والخوف، يصبح الانفجار الداخلي احتمالاً دائماً: خلافات، توترات، شعور بالظلم أو التهميش. النساء، في كثير من الحالات، كنّ من يلتقط هذه اللحظات قبل أن تتحول إلى قطيعة. بكلمة، بتدخل بسيط، بإعادة توزيع الأدوار، أو حتى بالصمت في الوقت المناسب، تم الحفاظ على علاقات كان يمكن أن تنهار بسهولة.

 

هذه ليست صورة مثالية، ولا يجب أن تُقدَّم كذلك. النساء أيضاً تعبْن، انهَرْن، غضِبْن، وواجهن ضغوطاً هائلة، أحياناً بلا دعم كافٍ. لكن ما يهم هنا هو أن ننظر إلى هذا الدور بوصفه فعلاً اجتماعياً وسياسياً، لا مجرد “تضحية” أو “صبر”. تحويل ما تقوم به النساء إلى مجرد صبر يُفرغه من معناه، ويُعيد إنتاج نفس البنية التي تُهمّشه. البنيه الرأسمالية التى شكلت عدم المساواة بين الجنسين على مدار الدهور.

 

الأمثلة اليومية كثيرة، وصغيرة في ظاهرها، لكنها عميقة في معناها. امرأة تقرر أن تُقلّل حصتها من الطعام ليأكل الأطفال. جدة تبتكر لعبة من لا شيء لتشغل بها أحفاداً خائفين. أم تُصرّ على أن يذهب الأطفال إلى “حصة” داخل البيت، رغم كل الفوضى. امرأة أخرى تذهب من بيت إلى بيت لتسأل من يحتاج، وتجمع ما يمكن جمعه. هذه الأفعال، لو نظرنا إليها منفصلة، قد تبدو عادية. لكن حين نراها كشبكة متكاملة، نفهم أنها كانت نظاماً كاملاً لإدارة الحياة.

 

من هنا، يصبح من الضروري كسر صورة “الضحية” حين نتحدث عن النساء. ليس إنكاراً لما تعرّضن له من عنف وخسارة، بل رفضاً لاختزالهن في ذلك فقط. المرأة في هذه الحرب لم تكن فقط من تُحمى، بل من تحمي. لم تكن فقط من تتلقى، بل من تعطي وتدير وتقرر. هذا التحول في النظرة ليس تجميلاً للواقع، بل تصحيح له.

 

في سياق هذه السلسلة، التي تحاول أن تفهم كيف قاوم السودانيون الحرب بلا سلاح، يصبح دور النساء مركزياً، لا يمكن تأجيله أو التعامل معه كفصل جانبي. ما رأيناه في المقالات السابقة—من صمود المجتمع، إلى شبكات النزوح، إلى التكايا، إلى حماية الأطفال—كان يحمل في داخله هذا الجهد النسوي غير المرئي. واليوم نحاول أن نضعه في الواجهة، لا لإبرازه فقط، بل لفهمه.

في المقال القادم، سأنتقل إلى زاوية أخرى من هذا الصمود: الاقتصاد الصغير… كيف استمرت الحياة، كيف أعاد الناس ابتكار سبل العيش في قلب الانهيار، وكيف تحوّلت المبادلات البسيطة والعمل اليومي إلى شريان يبقي المجتمع حيّاً. وكما في كل مرة، أترك الباب مفتوحاً لاقتراحاتكم: ما الذي ترونه مهماً أن نكتبه أيضاً؟ لأن هذه السلسلة، في جوهرها، ليست فقط عن الصمود، بل عن محاولة فهم أنفسنا ونحن نعيد اختراع الحياة تحت هذا الضغط القاسي. 

زر الذهاب إلى الأعلى