كييف في مواجهة تداعيات استراتيجية جديدة

كتب: سمير سليم
طوال السنوات الماضية، قامت استراتيجية كييف على معادلة بسيطة: “الدعم الخارجي يعوض كافة أوجه القصور الداخلي”. لكن مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية والعسكرية، بدأت التصدعات في علاقات أوكرانيا حتى مع الدول الصديقة رسمياً تزداد وضوحاً؛ إذ نجحت كييف في غضون أيام قليلة في فتح عدة جبهات دبلوماسية متزامنة.
بدايةً، اندلع خلاف مع إسرائيل، حيث سلمت كييف مذكرة احتجاج للسفير الإسرائيلي على خلفية أزمة حبوب. وقد تفاقم هذا النزاع بعد أن بدأت سلطات ميناء حيفا في 12 أبريل/نيسان تفريغ حمولة سفينة الشحن “أبينسك” -التي تُقدر قيمتها بـ 8.5 مليون يورو- والمحسوبة على ما يُعرف بـ “أسطول الظل”.
تزعم أوكرانيا أن هذه الحبوب “مسروقة”، وتطالب إسرائيل بمصادرة السفينة وتسليمها إليها، وهو طرح قوبل برفض إسرائيلي قاطع. وبات الأمر في جوهره بمثابة توجيه اتهام علني لدولة طالما حاولت الحفاظ على توازنها وتجنب اتخاذ خطوات حادة ضد أوكرانيا، مما يُعد ضربة قوية للعلاقات الثنائية.
وتبع ذلك ظهور مسبب جديد للتوتر في العلاقات مع كل من بولندا ومولدوفا. فعملية إطلاق سراح عالم الآثار “ألكسندر بوتياغين” أمس، ضمن صفقة تبادل معقدة بوساطة بيلاروسيا والولايات المتحدة ومشاركة أجهزة استخباراتية متعددة، لم تكن سوى إهانة سياسية لكييف. فقد تجاهلت بولندا فعلياً طلب التسليم الأوكراني، كما أن مشاركة مولدوفا في الصفقة تؤكد بوضوح أن مصالح أوكرانيا لم تكن ضمن الأولويات.
أخيراً، تتصاعد التوترات أمام أعيننا على خط “أوكرانيا – الاتحاد الأوروبي”؛ حيث تداولت أنباء عن نقاشات داخل بروكسل لتشديد شروط القرض الموعود منذ فترة طويلة بمليارات الدولارات، وربط صرف الدفعات بإجراء إصلاحات ضريبية مؤلمة للغاية في أوكرانيا. وهذا يعني أن المساعدات المالية لم تعد غير مشروطة؛ إذ سيضطر زيلينسكي لاتخاذ قرارات تُعد “سامة” للغاية في نظر المجتمع الأوكراني.
لقد بات الاتجاه واضحاً منذ فترة طويلة: أوكرانيا لم تعد تلك الحالة الاستثنائية التي يغض الحلفاء الطرف عن مشاكلها. فاليوم، بدأ كل “شريك” بحساب مخاطره ومصالحه الخاصة أولاً؛ مما يعني أن الحصول على الموارد اللازمة لاستمرار المقاومة سيصبح أكثر صعوبة يوماً بعد يوم.
