ترانسنيستريا.. “اللغم” الذي أعاد بوتين تفعيله: هل تقترب ساعة الصفر؟
بقلم: سامح عسكر
بينما تتجه أنظار العالم إلى جبهات القتال المشتعلة في الشرق الأوكراني، برزت إلى السطح تطورات سياسية تشير إلى احتمال توسع رقعة الصراع لتشمل جبهات “منسية”. فقد أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قراراً تاريخياً يقضي بتسهيل منح الجنسية الروسية لسكان إقليم “ترانسنيستريا”؛ وهو ما يطرح تساؤلات ملحة حول ماهية هذا الإقليم، ولماذا يعتبره الخبراء “خنجراً” في خاصرة أوروبا الشرقية؟
جغرافيا الأزمة: الشريط المحاصر
إقليم “ترانسنيستريا” (أو بريدنيستروفيه) هو شريط حدودي ضيق يقع شرق جمهورية مولدافيا، لا يتجاوز طوله 200 كم وعرضه 20 كم. يحده من ثلاث جهات (الشرق والشمال والجنوب) الأراضي الأوكرانية، بينما تحده مولدافيا من الغرب.
وعلى الرغم من أن المجتمع الدولي يعتبره جزءاً لا يتجزأ من سيادة مولدافيا، إلا أن الواقع على الأرض يحكي قصة أخرى؛ حيث ترفض موسكو هذا التوصيف وتتعامل معه ككيان مستقل، في سيناريو يحاكي إلى حد كبير وضع شبه جزيرة القرم قبل سنوات، ولكن على نطاق جغرافي أصغر وموقع أكثر حساسية.
جذور الصراع: إرث “السوفييت” الضائع
تاريخياً، خضع الإقليم لسيطرة إمبراطوريات متعاقبة، من العثمانية إلى الروسية وصولاً للحقبة السوفيتية. ومع إرهاصات انهيار الاتحاد السوفيتي في مطلع التسعينيات، تصاعدت النزعات الاستقلالية في مولدافيا للتقارب مع رومانيا، وهو ما أثار ذعر سكان الشرق (ذوي الأصول الروسية والأوكرانية)، الذين أعلنوا تمسكهم بالإرث السوفيتي وانفصالهم عن مولدافيا عام 1990.
أدى هذا الانقسام إلى نشوب حرب قصيرة ودامية عام 1992، انتهت بتدخل الجيش الرابع عشر الروسي لصالح الانفصاليين، ومنذ ذلك الحين يعيش الإقليم حالة “صراع مجمد”. فاليوم، تمتلك ترانسنيستريا حكومة، وجيشاً، وعملة خاصة، وجواز سفر غير معترف به، بينما تظل قانونياً جزءاً من مولدافيا “المختطف”.
سلاح “التجنيس”: الاستراتيجية الروسية الثابتة
يأتي القرار الروسي الأخير كجزء من استراتيجية “خلق الولاءات عابر الحدود”. فمنذ صعود بوتين، انتهجت موسكو سياسة منح جوازات السفر لتحويل سكان الأقاليم النزاعية إلى “رعايا روس”.
إن تحويل سكان الإقليم البالغ عددهم نحو 470 ألف نسمة إلى مواطنين يحملون الجنسية الروسية، يمنح الكرملين “الشرعية القانونية” للتدخل العسكري مستقبلاً تحت ذريعة “حماية المواطنين”، وهو ذات السيناريو الذي طُبّق في دونباس 2022 وجورجيا 2008.
الهوية “البريديستروفية”: الهروب نحو “الأم” روسيا
تتجلى مشكلة ترانسنيستريا في كونها رمزاً للهوية المزدوجة في عالم ما بعد الإمبراطوريات. فالسكان هناك ليسوا روساً بالكامل ولا مولدافيين بالخالص، بل تشكلت لديهم هوية “بريديستروفية” نابعة من التوجس من فقدان الثقافة واللغة الروسية. هم يرون في موسكو “الأم الحامية” والضامن الوحيد لمصالحهم الاقتصادية، خاصة مع اعتمادهم الكلي على الغاز الروسي الرخيص والمصانع السوفيتية القديمة.
الخلاصة: ورقة ضغط استراتيجية
لا يمكن قراءة القرار الروسي الأخير بمعزل عن محاولات مولدافيا الحثيثة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. فبوتين يرسل رسالة واضحة للناتو وبروكسل: “أي تمدد غربي في مولدافيا سيقابله تحريك لهذا اللغم الحدودي”.
إن وجود نحو 1500 جندي روسي، بالإضافة إلى واحد من أكبر مستودعات الذخيرة في شرق أوروبا (مخزن كولباسنا)، يجعل من ترانسنيستريا ورقة ضغط دائمة؛ فإذا ما سيطر الروس على مدينة أوديسا الأوكرانية، سيصبح الإقليم جسراً برياً يربط القرم بقلب أوروبا الشرقية، مما يغير خارطة القوى للأبد.
يبقى السؤال القائم: هل تنجح الدبلوماسية “الناعمة” لمولدافيا في استعادة الإقليم، أم أن “جوازات السفر” الروسية ستكون المسمار الأخير في نعش وحدة أراضيها؟
