ترانسنيستريا.. الدولة التي لا يعترف بها العالم ولم تتخلَّ عنها روسيا
تقرير: سمير سليم
وسط تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، عاد اسم Transnistria إلى واجهة المشهد السياسي مجددًا، بعد تصريحات روسية بشأن توسيع منح الجنسية الروسية لسكان الإقليم الواقع بين Moldova وأوكرانيا، في خطوة أعادت فتح ملف واحد من أكثر النزاعات تعقيدًا في أوروبا الشرقية.
ورغم أن ترانسنيستريا تبدو على الخريطة مجرد شريط ضيق من الأراضي، فإنها تمثل في الواقع نموذجًا حيًا لبقايا العالم السوفييتي الذي انهار سياسيًا مع تفكك Dissolution of the Soviet Union، لكنه ظل حاضرًا اجتماعيًا وثقافيًا وأمنيًا حتى اليوم.
دولة كاملة بلا اعتراف
الإقليم يمتلك كل مقومات الدولة تقريبًا؛ فله حكومة وجيش وعملة وعلم ومؤسسات إدارية، لكنه لا يحظى باعتراف دولي رسمي، وما يزال يُعتبر قانونيًا جزءًا من مولدافيا.
وتعود جذور الأزمة إلى أوائل التسعينيات، حين اتجهت مولدافيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي نحو تعزيز هويتها القومية والتقارب مع أوروبا ورومانيا، الأمر الذي أثار مخاوف المناطق الشرقية الناطقة بالروسية، خاصة في ترانسنيستريا، التي خشيت فقدان نفوذها السياسي والثقافي واللغوي.
وفي عام 1992 اندلع صدام مسلح بين الجانبين، انتهى بتدخل روسي أدى إلى تثبيت واقع انفصالي استمر لأكثر من ثلاثة عقود.
سياسة الجوازات الروسية
يرى مراقبون أن موسكو اعتمدت منذ انهيار الاتحاد السوفييتي على ما يُعرف بـ«سياسة الجوازات»، وهي استراتيجية تقوم على منح الجنسية الروسية لسكان المناطق المتنازع عليها، بما يخلق ارتباطًا قانونيًا وسياسيًا واقتصاديًا مع روسيا، دون الحاجة إلى ضم مباشر للأراضي.
وقد ظهرت هذه السياسة بدرجات مختلفة في:
Abkhazia
South Ossetia
Crimea
Donbas
ويبدو أن ترانسنيستريا تعود اليوم إلى دائرة الاهتمام الروسي ضمن هذا السياق الجيوسياسي الأوسع.
ورقة ضغط أكثر من جبهة حرب
لكن وضع ترانسنيستريا يختلف عن القرم أو دونباس؛ فالإقليم معزول جغرافيًا عن روسيا، ومحاصر بين أوكرانيا ومولدافيا، ما يجعل أي سيناريو للضم العسكري المباشر أكثر تعقيدًا.
ولهذا السبب، تبدو ترانسنيستريا بالنسبة لموسكو أقرب إلى ورقة ضغط استراتيجية منها إلى ساحة مواجهة مفتوحة، خاصة في ظل الصراع المتصاعد بين روسيا والغرب حول النفوذ في أوروبا الشرقية.
صراع على الهوية والإرث السوفييتي
القضية في جوهرها تتجاوز مجرد خلاف حدودي، إذ تعكس صراعًا أعمق يتعلق بالهوية والانتماء وإرث الاتحاد السوفييتي، فضلًا عن شكل التوازنات الدولية بعد نهاية نظام القطبية الواحدة.
وبينما ينظر الغرب إلى ترانسنيستريا باعتبارها بؤرة نفوذ روسي داخل أوروبا الشرقية، يرى كثير من سكان الإقليم أنهم طوروا مع الوقت هوية محلية خاصة، تختلف عن الروسية والمولدافية والأوكرانية في آن واحد.
وبعد أكثر من ثلاثين عامًا على انهيار الاتحاد السوفييتي، ما تزال ترانسنيستريا تذكّر العالم بأن الإمبراطوريات لا تختفي بالكامل، بل تترك وراءها جغرافيا معلقة وصراعات مؤجلة قد تعود إلى الواجهة في أي لحظة.
