اليسار السوفيتي-الحنيني في روسيا: الماضي الذي يرفض أن ينتهي – الجزء الرابع

بقلم: سمير سليم
لا يمكن لأي باحث أو مهتم بالشأن الدولي أن يفهم تعقيدات المشهد السياسي الروسي المعاصر دون التوقف ملياً عند تيار واسع، ممتد، وعميق التأثير، وإن كان غير منظم بشكل هيكلي كامل؛ إنه تيار “اليسار السوفيتي-الحنيني” (Soviet Nostalgia).
هذا التيار لا يمثل مجرد حزب سياسي يبحث عن مقاعد في “الدوما”، بل هو حالة اجتماعية، فكرية، وثقافية عابرة للأجيال، تمتد من أروقة السياسة إلى عمق الذاكرة الجماعية للشعب الروسي. إنه ليس يساراً “جديداً” متأثراً بأفكار العولمة، بل هو يسار يعيش على إرث الاتحاد السوفيتي، بوصفه مشروعاً تاريخياً “تم تفكيكه مؤامرةً أو خطأً” أكثر من كونه تجربة سقطت بسبب الفشل الذاتي.
أولاً: سيكولوجية “الحنين السوفيتي”.. أبعد من مجرد شوق
في الوعي الجمعي الروسي، لا يعني “الحنين” مجرد بكاء على أطلال الماضي أو شوق عاطفي لزمن الشباب؛ بل هو تصور سياسي واقتصادي متكامل يرى في الدولة السوفيتية السابقة نموذجاً مثالياً يُقاس عليه الحاضر. يقوم هذا التصور على ركائز أساسية:
العدالة الاجتماعية المفقودة: الإيمان بأن الدولة السوفيتية كانت الراعي الحقيقي للمواطن.
الاستقرار الاقتصادي: النظر إلى “الاقتصاد المخطط” كحصن أمان ضد تقلبات السوق.
مجانية الخدمات: استحضار مجانية التعليم والرعاية الصحية كحقوق أصيلة تراجعت جودتها اليوم.
ورغم أن هذا التصور قد لا يكون دقيقاً من الناحية التاريخية الصارمة ويغفل الكثير من الأزمات الهيكلية للحقبة السوفيتية، إلا أنه يمتلك قوة اجتماعية هائلة تشكل بوصلة ملايين الروس.
ثانياً: الحزب الشيوعي الروسي.. الحاضنة السياسية والمعارضة المدجنة
يمثل الحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية التعبير السياسي الأبرز والمؤسسي عن هذا التيار. ورغم أنه ليس المحتكر الوحيد لهذا الحنين، إلا أنه الحامل الأساسي لشعاراته. يرتكز الخطاب السياسي للحزب على:
1. استعادة الرموز السوفيتية وإعادة الاعتبار لقادة الحقبة الماضية.
2. الهجوم المستمر على “الرأسمالية المتوحشة” وسياسات الخصخصة التي جرت في التسعينيات.
3. الترويج لفكرة “الدولة المركزية القوية” كضرورة لحماية الأمن القومي.
مفارقة سياسية: رغم نبرته الحادة، يعيش الحزب الشيوعي اليوم معضلة بنيوية؛ فهو يعمل تحت مظلة النظام السياسي الحالي لروسيا الاتحادية، مما يجعله في نظر الكثير من المحللين أقرب إلى معارضة نظامية مستأنسة تفرغ شحنات الغضب الشعبي، بدلاً من كونها مشروعاً ثورياً حقيقياً يهدف لتغيير النظام.
ثالثاً: الذاكرة الاجتماعية المعمرة.. جرح “التسعينيات” النازف
لم يأتِ هذا الحنين من فراغ، بل تغذيه ذاكرة اجتماعية حية تعيش داخل بيوت الروس. هناك أجيال كاملة عاصرت الاتحاد السوفيتي وشهدت انهياره، وعائلات بأكملها ارتبط صعودها الاجتماعي بالدعم الحكومي السوفيتي.
بالنسبة لهؤلاء، لم تكن حقبة التسعينيات (فترة حكم بوريس يلتسين) مجرد مرحلة انتقال ديمقراطي كما روج لها الغرب، بل كانت كارثة وطنية، وانهياراً اقتصادياً قاسياً، وضياعاً لكرامة الدولة . هذا الشرخ التاريخي جعل الخطاب السوفيتي جذاباً حتى لأولئك الذين لا يملكون خلفية أيديولوجية ماركسية واضحة، لكنهم يبحثون عن “الأمان المفقود”.
رابعاً: الرموز والثقافة كالهوية الوطنية
يعتمد هذا التيار بشكل شبه كلي على ترسانة رمزية وثقافية شديدة الجاذبية:
صور “لينين” و”ستالين” (كرموز للقوة والانتصار لا الأيديولوجيا فقط).
الأناشيد والشعارات السوفيتية الحماسية.
الاحتفال الأسطوري بـ “عيد النصر” في الحرب العالمية الثانية (العظمى).
لكن الملاحظ هنا أن تبني هذه الرموز لا يعني بالضرورة قراءة عميقة لكتابات “كارل ماركس”، بل أصبحت هذه الرمزية تعبيراً عن هوية وطنية واجتماعية في مواجهة الغرب، وبحثاً عن الفخر القومي بدولة كانت قطباً يدير نصف العالم.
خامساً: أسباب ديمومة “الحنين السوفيتي”
لماذا يرفض هذا التيار الموت رغم مرور عقود على سقوط جدار برلين؟ تكمن الإجابة في أربعة عوامل:
| العامل | التوصيف والأثر
صدمة عام 1991 التحول المفاجئ نحو الرأسمالية خلق فجوة طبقية مرعبة وأثرياء حرب (الأول Oligarchs) على حساب إفقار الطبقة الوسطى.
غياب البديل المقنع فشل الليبرالية الغربية في تقديم نموذج اقتصادي واجتماعي يلائم الخصوصية الروسية ويحمي الفئات الهشة.
قوة الهوية الجماعية الدولة الروسية الحديثة نفسها تجد في الإرث السوفيتي (خاصة العسكري) مصدراً لشرعيتها الدولية الحالية.
|معادلة الاستقرار المقارنة الدائمة بين استقرار اليوم (رغم مشاكله) وفوضى التسعينيات تصب دائماً في صالح البحث عن دولة قوية مسيطرة.
سادساً: بين السياسة والنوستالجيا.. سؤال المستقبل
تكمن الإشكالية الكبرى لليسار السوفيتي-الحنيني في كونه يتأرجح بين عاطفة النوستالجيا والواقعية السياسية . هو ليس يساراً نظرياً منشغلاً بصراع الطبقات بالمفهوم الأكاديمي، بل هو مزيج معقد من: الذاكرة الجريحة، الهوية القومية، والمطالبة بالعدالة الاجتماعية.
إن اليسار السوفيتي-الحنيني في روسيا ليس مجرد تيار سياسي عابر، بل هو روح دولة سابقة تعيش داخل جسد الدولة المعاصرة. وفي الوقت الذي يحاول فيه الحزب الشيوعي الروسي تأطير هذه الحالة انتخابياً، تظل الأسئلة الكبرى معلقة في الفضاء السياسي الروسي:
هل انتهى الاتحاد السوفيتي حقاً في ديسمبر 1991؟ أم أنه ما زال حياً، يحرك العواطف، ويوجه السياسات، ويعيش داخل الوعي الاجتماعي ا
لروسي كأنه ماضٍ يرفض أن ينتهي؟
