فيڤيك تشيبر: حين تعود الطبقة إلى قلب اليسار… من الطبقة إلى القوة الاجتماعية- الجزء الثانى-

بقلم: سمير سليم
من السؤال إلى الاختبار الحقيقي؟
في الجزء الأول وصلنا إلى سؤال يبدو بسيطا، لكنه في الحقيقة أحد أصعب أسئلة اليسار:اذا كانت الطبقة ما زالت موجودة، فلماذا لا تتحول تلقائيا إلى قوة سياسية؟
هنا يبدأ الاختبار الحقيقي لفكر فيڤيك تشيبر فاعادة الطبقة إلى مركز التحليل ليست نهاية الطريق. أن نقول إن هناك عمالا، وإن هناك تفاوتا في الملكية والدخل والسلطة، لا يخبرنا بعد كيف يمكن لهؤلاء الناس أن يتحولوا من أفراد متفرقين إلى قوة اجتماعية منظمة.
وهنا ينتقل تشيبر من سؤال ما هي الطبقة؟ إلى سؤال أكثر عملية:
كيف تتشكل القوة الطبقية؟
وهذا الانتقال هو الذي يجعل مشروعه يتجاوز حدود النقاش الأكاديمي، حتى مع كل ما يمكن أن يوجه إليه من نقد الدولة ليست محايدة تماما
في كتابه «Confronting Capitalism»، يطرح تشيبر سؤالا آخر: إذا كانت الديمقراطية تمنح المواطنين، من حيث المبدأ، حق المشاركة السياسية، فلماذا تظل الشركات وأصحاب رؤوس الأموال قادرين على التأثير في القرارات العامة بدرجة كبيرة؟
لا يقدم الإجابة باعتبارها مجرد مؤامرة من أصحاب المال ضد المجتمع.
الفكرة أكثر تعقيدا.
الدولة الحديثة تحتاج إلى اقتصاد يعمل، واستثمارات، وإنتاج، ووظائف، وإيرادات، وبالتالي فإن القرارات الاقتصادية الكبرى يمكن أن تؤثر في قدرة الحكومات على إدارة المجتمع.
ومن هنا يمتلك رأس المال نوعا من القوة البنيوية.
فالحكومة قد تضع سياسات لا ترضي بعض أصحاب الأعمال، لكن أصحاب رأس المال يستطيعون في ظروف معينة تقليل الاستثمار أو نقل أموالهم أو تأجيل قرارات اقتصادية، بينما لا يملك العامل العادي الأدوات نفسها.
وهذا لا يعني أن الدولة مجرد أداة في يد الرأسماليين، ولا يعني أن كل قرار حكومي يخدم مصالحهم لكنه يعني أن هناك اختلالا في القدرة على التأثير لا يمكن تجاهله عند دراسة العلاقة بين الدولة والرأسمالية.
ومن هنا يصبح السؤال السياسي أكثر وضوحا:إذا كان رأس المال يمتلك قوة اقتصادية يمكن أن تتحول إلى نفوذ سياسي، فكيف يستطيع العمال والمواطنون العاديون بناء قوة مقابلة؟
التنظيم ليس تفصيلا
هنا يعود تشيبر إلى فكرة تبدو قديمة، لكنها تظل مركزية:التنظيم والنقابة ليست مجرد وسيلة للتفاوض حول الأجور والحزب ليس مجرد آلة انتخابية والحركة الاجتماعية ليست مجرد تجمع مؤقت في الشارع.
كل هذه الأشكال يمكن أن تكون وسائل لتحويل القوة الفردية المحدودة إلى قوة جماعيةالعامل بمفرده لا يستطيع غالبا أن يفرض شروطه على صاحب العمل.
لكن مجموعة من العمال تستطيع التفاوضوالنقابة المنظمة تستطيع الإضرابوالحركة الاجتماعية تستطيع الضغط.والتنظيم السياسي يستطيع تحويل المطالب الاقتصادية المتفرقة إلى برنامج أوسع.
وهنا يظهر الفرق بين الاحتجاج والقوة الاجتماعية.الاحتجاج قد يكون قويا في لحظة معينة.
أما القوة الاجتماعية فتحتاج إلى الاستمرارية، والتنظيم، والقدرة على الحفاظ على التضامن، وإنتاج قيادات، وتطوير مطالب، وخوض معارك متتالية.
وهذا هو أحد أهم الدروس التي يمكن قراءتها في مشروع تشيبر. لماذا لا يكفي الغضب؟يمكن أن يكون المجتمع غاضبايمكن أن ترتفع الأسعار، وتتراجع الأجور، وتزداد البطالة، وتسوء ظروف العمل، وتتسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء.لكن الغضب وحده لا يصنع تغييرا منظما.
وهنا تقع واحدة من المشكلات التاريخية التي واجهها اليسار في بلدان كثيرة. فوجود مظالم حقيقية لا يعني تلقائيا وجود قوة سياسية قادرة على تغييرها.
قد يتشارك الناس المشكلة نفسها، لكنهم لا يتشاركون بالضرورة في التنظيم.
وقد يعرف كل فرد أن المشكلة عامة، لكنه لا يعرف كيف يتحول من مجرد متضرر إلى فاعل جماعي.
وهنا تصبح السياسة، في أحد معانيها الأساسية، هي فن تحويل المصالح المتفرقة إلى قدرة جماعية.
ماذا أضاف «The Class Matrix»؟
في كتابه «The Class Matrix» يحاول تشيبر أن يطور هذه الرؤية بصورة أكثر تعقيدا.
فهو لا يعود إلى تصور اقتصادي مبسط يعتبر الإنسان مجرد انعكاس لموقعه الطبقي.
بل يحاول الجمع بين شيئين:البنية المادية من ناحية، والثقافة والوعي من ناحية أخرى.
فالإنسان يتحرك داخل علاقات اقتصادية تحدد جزءا مهما من مصالحه، لكنه يفهم هذه المصالح من خلال الثقافة والتجربة والتاريخ واللغة والعائلة والدين والمجتمع.
وهذا يعني أن الطبقة ليست آلة تنتج مواقف سياسية متطابقة. فالموقع الطبقي يخلق مصالح، لكنه لا يحدد وحده كيف يفهم الناس هذه المصالح أو كيف يتصرفون على أساسها.وهنا تظهر أهمية السياسة والتنظيم.
فالتنظيم يستطيع أن يخلق خبرات مشتركة، والخبرات المشتركة تستطيع أن تغير طريقة فهم الناس لمشكلاتهم، وهذا الفهم الجديد يمكن أن ينتج أشكالا أوسع من التضامن.
بمعنى آخر:الطبقة لا تتحول إلى قوة سياسية خارج التاريخ، بل من خلال التاريخ والتجربة والتنظيم والصراع.
وهنا تبدأ حدود رؤية تشيبر لكن هل يكفي التركيز على الطبقة والتنظيم؟ هنا يجب أن نتوقف لأن أحد أهم الانتقادات التي يمكن توجيهها إلى تشيبر هو أن العودة إلى الطبقة قد تتحول، إذا لم تكن حذرة، إلى تقليل من أهمية أشكال أخرى من الصراع.
النساء لا يواجهن فقط الاستغلال الاقتصادي، بل يواجهن أيضا علاقات اجتماعية وثقافية وقانونية مرتبطة بالنوع الاجتماعي.
والتمييز العنصري لا يمكن اختزاله دائما في الأجر وموقع العامل داخل الإنتاج.
والاستعمار ترك آثارا سياسية وثقافية وتاريخية لا تختفي بمجرد الحديث عن الرأسمالية.
والقضايا البيئية أصبحت اليوم جزءا مركزيا من الصراع الاجتماعي كما أن الدين والقومية والهوية يمكن أن تؤثر بعمق في كيفية تشكل المواقف السياسية للطبقات المختلفة.
لذلك فإن الدفاع عن مركزية الطبقة لا ينبغي أن يتحول إلى إلغاء لبقية المجتمع.
المشكلة ليست في الاختيار بين الطبقة والثقافة.
المشكلة في فهم كيف تتفاعل الطبقة مع الثقافة والجندر والقومية والدين والتاريخ والبيئة وغيرها من علاقات القوة.
وهنا يصبح تجديد الماركسية أكثر تعقيدا من مجرد العودة إلى قاموسها القديم.
من أمريكا إلى مصر والعالم العربي
لكن السؤال الذي يهمنا أكثر ليس:ماذا قال تشيبر عن المجتمع الأمريكي؟
السؤال هو:ماذا يمكن أن نتعلم من أسئلته عندما ننظر إلى مصر والعالم العربي؟
لا يمكن نقل نموذجه كما هووفبنية سوق العمل في مصر تختلف عن الولايات المتحدة، كما تختلف أشكال الملكية، وحجم القطاع غير الرسمي، ودور الدولة، وطبيعة النقابات، والعلاقة بين الاقتصاد والسياسة.
لكن بعض الأسئلة التي يطرحها تشيبر تظل صالحة للنقاش.
أين توجد الطبقة العاملة اليوم؟ هل ما زلنا نتعامل مع مفهوم العامل كما كان في المصانع الكبرى؟ماذا عن العامل المؤقت؟وماذا عن العامل غير الرسمي؟وماذا عن العامل الذي يعمل عبر منصة رقمية؟وماذا عن الموظف الذي يعتمد على راتبه لكنه يعيش في وضع مهني مختلف عن العامل الصناعي التقليدي؟
وماذا عن صغار المنتجين وأصحاب الأعمال الصغيرة الذين يقفون في منطقة رمادية بين العمل والملكية؟
هذه الأسئلة مهمة لأن الرأسمالية لم تغير فقط حجم الثروة، بل غيرت أيضا شكل العمل نفسه.
اليسار أمام طبقة جديدة؟ إذا كان هذا صحيحا، فإن أزمة اليسار لا يمكن أن تحل فقط بإعادة ترديد كلمة «الطبقة».
المطلوب هو اكتشاف الطبقة في أشكالها الجديدة.
أين توجد علاقات الاستغلال؟ كيف تعمل؟ من يتحمل المخاطر؟من يملك القدرة على اتخاذ القرار؟
من يعتمد على بيع قوة عمله؟ وكيف يمكن تنظيم هؤلاء الناس رغم اختلاف مواقعهم القانونية والمهنية والاجتماعية؟
هذه ليست أسئلة أكاديمية إنها أسئلة سياسية وتنظيمية في الوقت نفسه فإذا تغيرت الرأسمالية، فمن الطبيعي أن تتغير معها أشكال التنظيم.
النقابة التقليدية قد تظل مهمة، لكنها قد لا تكون كافية وحدها.والحزب السياسي لا يستطيع أن يفترض أن العامل الموجود في مصنع كبير هو النموذج الوحيد للقوة الاجتماعية والحركة الاجتماعية تحتاج إلى أن تعرف كيف تنتقل من لحظة التعبير عن الغضب إلى بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار.
وهنا يمكن أن يصبح تشيبر مفيدا ليس لأنه يقدم لنا وصفة جاهزة، وإنما لأنه يجبرنا على طرح الأسئلة من جديد.
من أحمد بهاء الدين شعبان إلى فيڤيك تشيبر في مقالنا السابق عن أحمد بهاء الدين شعبان كان السؤال الأساسي يدور حول الحركة والتنظيم والسياسة.
كيف تنتقل الحركة من الاحتجاج إلى إطار سياسي؟ وماذا يحدث عندما يكون هناك غضب اجتماعي واسع، لكن القدرة على تحويله إلى تنظيم مستمر تظل محدودة؟
مع تشيبر، نقترب من السؤال نفسه من زاوية مختلفة.إذا كان شعبان يعيدنا إلى السياسة والتنظيم والعمل الجماهيري، فإن تشيبر يعيدنا إلى الطبقة والمصلحة والقوة الاجتماعية.الأول يقول لنا، بصورة غير مباشرة، إن الاحتجاج وحده لا يكفي والثاني يضيف أن وجود الطبقة وحده لا يكفي أيضا
فلا يكفي أن تكون هناك طبقة ولا يكفي أن تكون هناك مظالم ولا يكفي أن توجد أفكار نقديةالمطلوب هو الطريق الذي يحول هذه العناصر إلى قوة اجتماعية قادرة على الفعل.
وهنا تتقاطع تجربتان مختلفتان في سؤال واحد:كيف تنتقل الفكرة من الكتب إلى المجتمع؟
ماذا تقول لنا تجربة تشيبر عن تجديد اليسار؟
ربما لا يكون الدرس الأساسي من تشيبر هو العودة إلى الماضي بل العكس تماماوإنه يدفعنا إلى النظر إلى الحاضر.إذا تغير العمل، فعلينا أن نعيد تعريف القوى الاجتماعية التي نريد فهمها.إذا تغيرت الرأسمالية، فعلينا أن نفهم آلياتها الجديدة.إذا تغيرت الطبقة العاملة، فعلينا أن نعرف كيف تبدو الطبقة العاملة اليوم وإذا تغيرت أشكال السلطة، فعلينا أن نعيد التفكير في التنظيم وهذا يعني أن تجديد اليسار لا يبدأ من سؤال:ماذا قال ماركس؟فقط.
بل يبدأ أيضا من سؤال:ماذا يقول لنا الواقع الآن؟
ماركس قدم أدوات لفهم الرأسمالية، لكن الرأسمالية لم تتوقف عند القرن التاسع عشر.ولهذا فإن الوفاء للمنهج النقدي لا يعني تجميد المفاهيم، وإنما اختبارها باستمرار أمام الواقع.
من الفكرة إلى القوة في النهاية، يمكن تلخيص إسهام تشيبر في سؤال واحد:كيف تتحول المصلحة المشتركة إلى قوة مشتركة؟
هذه المسافة هي ربما أصعب مسافة في العمل السياسي.
فالناس قد يعانون المشكلة نفسها دون أن يتنظموا وقد يعرفون مصالحهم دون أن يمتلكوا القدرة على الدفاع عنها وقد يتفقون على ما يرفضونه، لكنهم لا يتفقون على ما يريدون بناءه.
وهنا تصبح مهمة اليسار أكبر من إنتاج الأفكار.إنها تتعلق ببناء علاقات اجتماعية قادرة على حمل هذه الأفكار فالناس لا يتحولون إلى قوة سياسية لمجرد أن أحدا أقنعهم نظريا بأنهم طبقة.
إنهم يتحولون إلى قوة عندما يخوضون تجارب مشتركة، وينظمون أنفسهم، ويتعلمون من صراعاتهم، ويبنون مؤسساتهم، ويكتشفون أن ما يبدو مشكلة فردية يمكن أن يكون جزءا من مشكلة جماعية.
وهنا ربما يكون أهم ما يعيدنا إليه تشيبر هو أن السياسة ليست فقط معركة على الأفكار، وإنما أيضا معركة على بناء القوة الاجتماعية التي تستطيع أن تجعل الأفكار ممكنة.
ماذا بعد تشيبر؟
عندما ننظر إلى مسار هذه السلسلة، نكتشف أن كل مفكر ترك لنا جزءا من الصورة.
سمير أمين أعاد طرح سؤال المركز والأطراف وتفاوت التطور الرأسمالي.محمود أمين العالم وضع الثقافة والفكر والنقد في قلب الصراع الاجتماعي فؤاد مرسي حاول قراءة الاقتصاد والسياسة من زاوية مصرية وعربية.
ومهدي عامل شدد على ضرورة فهم المجتمع العربي من داخله، لا باعتباره مجرد نسخة من التجربة الأوروبية.
وكريم مروة أعاد فتح سؤال المراجعة والتجديد داخل اليسار نفسه ثم جاء أحمد بهاء الدين شعبان ليعيدنا إلى سؤال الحركة والتنظيم والسياسة.
أما فيڤيك تشيبر فيضيف سؤالا آخر: أين توجد القوة الاجتماعية التي يمكن أن تحمل مشروع التغيير؟ وهذا السؤال يقودنا إلى ما هو أبعد من تشيبر نفسه.فإذا كانت الطبقة قد تغيرت، وإذا تغير العمل، وإذا تغيرت الرأسمالية، فإن سؤال اليسار لا يمكن أن يكون فقط: كيف نفهم الاستغلال؟
بل أيضا:كيف نفهم العالم الذي أنتجته الرأسمالية الجديدة؟
وما الذي يحدث عندما تصطدم الرأسمالية بحدود البيئة والمناخ والموارد؟ هل يمكن أن يستمر منطق النمو والتراكم بلا نهاية في عالم له حدود مادية؟ وهل تحتاج الماركسية في القرن الحادي والعشرين إلى أن تعيد التفكير في العلاقة بين الرأسمالية والطبيعة؟
من هنا يبدأ سؤال جديد…من اللطبقة والقوة الاجتماعية إلى البيئة ومستقبل الرأسمالية
