من ماركس إلى جيجك: هل وصلت الماركسية الجديدة إلى اليسار الروسى؟- الجزء الخامس
بين الإرث السوفيتي وأسئلة القرن الحادي والعشرين: كيف يحاول اليسار الروسي إعادة تعريف نفسه؟

بقلم: سمير سليم
عندما يُذكر اليسار الروسي، يتبادر إلى الذهن فورًا لينين والثورة البلشفية والتجربة السوفيتية. فقد ارتبط تاريخ اليسار في روسيا لأكثر من قرن بهذه التجربة التي تركت أثرًا عميقًا ليس فقط داخل روسيا، بل في تاريخ الحركة الاشتراكية العالمية.
لكن روسيا اليوم تواجه واقعًا مختلفًا تمامًا عن القرن العشرين، وهو ما يطرح سؤالًا أساسيًا:زهل ما زال اليسار الروسي يعيش داخل الإطار الفكري السوفيتي التقليدي، أم أنه بدأ يتفاعل مع التحولات الكبرى التي شهدها الفكر الماركسي العالمي خلال العقود الأخيرة؟
هذا السؤال لا يتعلق فقط بالأحزاب والتنظيمات السياسية، بل يتعلق بطبيعة الأفكار نفسها. فالماركسية لم تتوقف عند كتابات ماركس وإنجلز ولينين، بل شهدت منذ النصف الثاني من القرن العشرين محاولات متعددة لتجديد أدواتها النظرية من أجل فهم عالم جديد ظهرت فيه العولمة، والنيوليبرالية، والاقتصاد الرقمي، والثورة التكنولوجية، والأزمات البيئية، وتحولات الثقافة والإعلام.
ومن هنا ظهر جيل جديد من المفكرين الذين حاولوا إعادة قراءة الماركسية ليس باعتبارها مجموعة من الشعارات الثابتة، بل باعتبارها منهجًا نقديًا لتحليل الرأسمالية وتحولاتها المستمرة.
لكن السؤال الأهم يبقى: إلى أي مدى وصلت هذه الأفكار الجديدة إلى روسيا؟ وهل استطاعت أن تؤثر في اليسار الروسي، أم أن الإرث السوفيتي ما زال هو القوة الفكرية والسياسية الأكثر حضورًا؟
أولًا: لماذا ظهرت ماركسية جديدة؟
لم تظهر الماركسية الجديدة فجأة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بل بدأت جذورها منذ ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، عندما حاول عدد من المفكرين تطوير التحليل الماركسي لفهم تغيرات لم تكن موجودة في زمن ماركس.
فالرأسمالية الحديثة لم تعد تعتمد فقط على المصنع والعامل الصناعي، بل ظهرت الشركات متعددة الجنسيات، وتضخم دور رأس المال المالي، وأصبحت التكنولوجيا والإعلام والثقافة عناصر أساسية في تشكيل الاقتصاد والسياسة والمجتمع.
ثم جاء انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 ليطرح سؤالًا تاريخيًا كبيرًا أمام اليسار العالمي:
إذا انهار النموذج السوفيتي، فهل يعني ذلك فشل الماركسية نفسها؟.كانت الإجابة التي قدمها كثير من المفكرين الجدد هي ضرورة التمييز بين الماركسية كنظرية نقدية للرأسمالية، وبين التجربة السوفيتية باعتبارها تجربة تاريخية محددة لها إنجازاتها وإخفاقاتها.
وبذلك بدأت محاولات واسعة لإعادة بناء الفكر الماركسي بما يتناسب مع عالم تغيرت فيه طبيعة الاقتصاد والسياسة والعلاقات الاجتماعية.
ثانيًا: أبرز المفكرين الذين أعادوا تطوير الفكر الماركسي
لم يكن التجديد الماركسي خلال العقود الأخيرة مدرسة واحدة، بل مجموعة من الاتجاهات الفكرية التي حاولت قراءة الرأسمالية المعاصرة من زوايا متعددة.
ديفيد هارفي: قراءة جديدة للرأسمالية والعولمة
يُعد المفكر البريطاني ديفيد هارفي أحد أبرز الجغرافيين والماركسيين المعاصرين.
ركز هارفي على كيفية تغير الرأسمالية في عصر العولمة، موضحًا أن رأس المال لا يتحرك فقط داخل المصانع والأسواق، بل يعيد تشكيل المدن، والفضاء الاجتماعي، وطريقة حياة البشر.
ومن أهم القضايا التي تناولها:العولمة الرأسمالية.
تراكم رأس المال.
التحولات الحضرية.
نقد النيوليبرالية.
وقد أصبحت أعماله مرجعًا مهمًا لدى العديد من الحركات اليسارية الجديدة حول العالم.
أنطونيو نيغري: الرأسمالية في عصر العولمة
يُعد المفكر الإيطالي أنطونيو نيغري من أبرز منظري الماركسية المعاصرة.
اهتم بدراسة طبيعة السلطة في عالم لم تعد فيه الدولة القومية هي الفاعل الوحيد، حيث أصبحت الشركات العالمية والأسواق والمؤسسات العابرة للحدود تلعب دورًا متزايدًا.
وركز على: العولمة.
أشكال العمل الجديدة.
الاقتصاد القائم على المعرفة.
الحركات الاجتماعية العابرة للدول.
وحاول تطوير أدوات التحليل الماركسي لفهم مجتمع لم يعد يشبه المجتمع الصناعي التقليدي.
سلافوي جيجك: نقد الأيديولوجيا والثقافة
يُعد الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك من أشهر مفكري اليسار المعاصرين.
ورغم أن تصنيفه داخل الماركسية التقليدية محل نقاش، فإنه يعتمد بشكل كبير على التراث الماركسي، ويمزجه بالتحليل النفسي والفلسفة والنقد الثقافي.
ويركز على: الأيديولوجيا.
الإعلام.
الثقافة الجماهيرية.
نقد الليبرالية والرأسمالية المعاصرة.
وقد اكتسب حضورًا واسعًا بين قطاعات من الشباب والمثقفين اليساريين، بما في ذلك بعض الأوساط اليسارية الروسية.
نانسي فريزر: العدالة الاجتماعية ونقد الرأسمالية
قدمت الفيلسوفة الأمريكية نانسي فريزر محاولة مهمة للجمع بين النقد الاقتصادي للرأسمالية وقضايا العدالة الاجتماعية.
وترى أن فهم أزمات الرأسمالية لا يكتمل من خلال الاقتصاد وحده، بل يجب أن يشمل أيضًا: توزيع الثروة.
المشاركة السياسية.
قضايا الاعتراف والهوية.
علاقة الاقتصاد بالبنية الاجتماعية.
ولهذا أصبحت من الأصوات المؤثرة في النقاشات اليسارية الحديثة.
إريك أولين رايت: البحث عن بدائل واقعية للرأسمالية
اهتم عالم الاجتماع الأمريكي إريك أولين رايت بتطوير التحليل الطبقي الماركسي ليتناسب مع المجتمعات الحديثة.
وركز على: الطبقات الاجتماعية.
الديمقراطية الاقتصادية.
المؤسسات التعاونية.
بناء بدائل عملية للرأسمالية.
وكان يرى أن التغيير الاجتماعي لا يجب أن يُفهم فقط من خلال لحظات الثورة الكبرى، بل أيضًا من خلال بناء مؤسسات أكثر عدالة داخل المجتمع.
مايكل روبرتس: تحليل الأزمات الاقتصادية يُعد الاقتصادي البريطاني مايكل روبرتس من أبرز الاقتصاديين الماركسيين المعاصرين.
تركز أعماله على:
أزمات الرأسمالية.
تراكم رأس المال.
معدلات الربح.
الاقتصاد العالمي.
كما يناقش تأثير الحروب والعقوبات والأزمات المالية على النظام الاقتصادي الدولي.
ورغم اختلاف هؤلاء المفكرين، فإن ما يجمع بينهم هو محاولة تطوير أدوات التحليل الماركسي لفهم عالم جديد، بدلًا من الاكتفاء بإعادة إنتاج الأدبيات الكلاسيكية.
ويبقى السؤال: إلى أي مدى وصلت هذه الأفكار إلى روسيا؟
ثالثًا: كيف استقبل اليسار الروسي هذه الأفكار؟
لا يوجد يسار روسي واحد، بل عدة تيارات تختلف في علاقتها بالتراث السوفيتي وبالماركسية المعاصرة.
الحزب الشيوعي في الاتحاد الروسي (KPRF)
يظل الحزب الشيوعي الروسي أكبر قوة يسارية منظمة في البلاد.
ويعتمد في هويته على: الماركسية اللينينية.
التراث السوفيتي.
دور الدولة في الاقتصاد.
العدالة الاجتماعية.
ولهذا ظل تأثير الماركسية الغربية الحديثة داخله محدودًا نسبيًا.
فالكثير من كوادره تنظر بحذر إلى بعض اتجاهات اليسار الغربي التي تركز على الثقافة والهوية، وترى أن جوهر الصراع يجب أن يبقى مرتبطًا بالطبقة العاملة وعلاقات الإنتاج.
الجبهة اليسارية (Левый фронт)
تمثل الجبهة اليسارية أحد التيارات المهمة خارج الإطار الحزبي التقليدي.
وهي أكثر انفتاحًا نسبيًا على النقاشات الجديدة حول الديمقراطية الاجتماعية، وأشكال التنظيم، وتحولات الرأسمالية الحديثة.
ولا يمكن القول إنها تبنت بالكامل أفكار هارفي أو جيجك أو فريزر، لكنها كانت أكثر استعدادًا للتفاعل مع الأدبيات اليسارية العالمية الحديثة.
الحركة الاشتراكية الروسية (RSD)
تُعد من أكثر التنظيمات الروسية انفتاحًا على النقاشات الماركسية المعاصرة.
وتهتم بقضايا مثل:
البيئة.حقوق العمال.
الديمقراطية داخل التنظيمات.
النسوية.
الاقتصاد الرقمي.
ولهذا تُعد من أقرب التيارات الروسية إلى اليسار العالمي الجديد، مع احتفاظها بخصوصيتها الروسية.
التيارات الأناركية تُعد التيارات الأناركية، ومنها شبكة العمل المستقل (Autonomous Action)، من أكثر الاتجاهات انفتاحًا على الأفكار الحديثة.
وتأثرت بـ: الأناركية الاجتماعية.
النقد الثقافي.
البيئة الراديكالية.
الحركات المناهضة للعولمة.
كما تعطي أهمية أكبر لقضايا الحرية الفردية والتنظيم الأفقي ونقد سلطة الدولة.
رابعًا: أين يظهر تأثير الماركسية الجديدة عمليًا؟ يظهر تأثير الماركسية المعاصرة داخل اليسار الروسي في مجموعة من القضايا الجديدة.
البيئة
لم تعد البيئة قضية هامشية، بل أصبحت جزءًا من نقد الرأسمالية الحديثة. فالماركسية البيئية ترى أن استغلال الطبيعة يرتبط بطريقة إنتاج تقوم على التوسع المستمر وتحقيق الربح.
الاقتصاد الرقمي
أصبح اليسار يواجه أسئلة جديدة:
كيف تتغير طبيعة العمل مع الذكاء الاصطناعي؟
ما وضع العاملين في اقتصاد المنصات؟
كيف يمكن فهم شركات التكنولوجيا العملاقة؟
وهذه قضايا لم تكن موجودة في الأدبيات السوفيتية التقليدية.
الديمقراطية الداخلية
أعادت التجربة السوفيتية طرح سؤال العلاقة بين الاشتراكية والديمقراطية.
ولهذا تهتم بعض التيارات الجديدة بـ:
المشاركة القاعدية.
تداول القيادة.
النقد الداخلي.
– الحرب والنظام العالمي
أعادت الحروب والصراعات الدولية طرح أسئلة حول الإمبريالية والدولة والعلاقات الدولية.
وتختلف مواقف اليسار الروسي من هذه القضايا، بين من يركز على الصراع الجيوسياسي، ومن يحاول تقديم تحليل أوسع لدور الاقتصاد العالمي ورأس المال.
خامسًا: حدود تأثير الماركسية الجديدة ومستقبل اليسار الروسي
رغم الحضور المتزايد لبعض الأفكار الماركسية الحديثة داخل الأوساط الفكرية والشبابية، فإن تأثيرها الجماهيري ما زال محدودًا.
فالقطاعات الأوسع من اليسار الروسي ما زالت مرتبطة بالإرث السوفيتي، خاصة فيما يتعلق بفكرة الدولة الاجتماعية، ودور الدولة في الاقتصاد، ورمزية الماضي السوفيتي.
أما الماركسية الغربية الحديثة فما زالت أكثر حضورًا بين: الطلاب.
الأكاديميين.
المثقفين.
النشطاء الشباب.
وهنا يواجه اليسار الروسي معضلة أساسية:
كيف يحافظ على جذوره التاريخية دون أن يتحول إلى أسير للماضي؟
وكيف يتجدد فكريًا دون أن يفقد قاعدته الاجتماعية؟ فالعالم اليوم يطرح أسئلة جديدة لم تكن موجودة في زمن الثورة البلشفية: الذكاء الاصطناعي.
تغير المناخ.
الاقتصاد الرقمي.
الشركات العابرة للقوميات.
أشكال جديدة من عدم المساواة.
ولهذا فإن مستقبل اليسار الروسي لن يتحدد فقط بقدرته على الحفاظ على تراث لينين، بل بقدرته أيضًا على تطوير إجابات جديدة لأسئلة العصر.
وربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل سيبقى اليسار الروسي لينينيًا أم سيصبح قريبًا من جيجك وهارفي؟ بل السؤال الأهم: هل يستطيع الجمع بين تحليل ماركس للرأسمالية، وتجربة لينين التاريخية، وأسئلة القرن الحادي والعشرين؟ فإذا كان لينين ما زال حاضرًا بقوة في الذاكرة السياسية الروسية، فإن أسماء مثل هارفي وجيجك وفريزر ورايت بدأت تجد مكانًا داخل النقاشات الفكرية الجديدة.
وهنا تكمن المعركة الفكرية الكبرى أمام اليسار الروسي: كيف يحافظ على جذوره دون أن يتحول إلى الماضي، وكيف يتجدد دون أن يفقد هويته؟ وربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل اليسار الروسي في العقود القادمة.
