
كتب: هانى الكنيسى
الرئيس الأمريكي اتهم الصين “علناً” -في “خطاب الأمة” الليلة الماضية- بتنفيذ “أكبر عملية قرصنة لبيانات الناخبين في التاريخ”، زاعماً أن بكين استولت على ملفات وسجلات تخص 220 مليون ناخب، عبر اختراق قواعد البيانات في 18 ولاية أمريكية، تضمنت أسماءهم وعناوينهم وأرقام هواتفهم وانتماءاتهم الحزبية.
وزعم ترمب أن بكين أنشأت “وحدة خاصة” لاستغلال البيانات المسروقة والتأثير في الرأي العام، وتقليص أصوات مؤيديه، والتحريض ضده لكي يخسر انتخابات عام 2020 أمام منافسه الديمقراطي ‘جو بايدن’.
ولم يكتف البرتقالي بالصين (الجبهة الخارجية)، بل امتدت اتهامات التواطؤ إلى “الدولة العميقة” Deep State في الداخل الأمريكي، فاتهم وكالة الاستخبارات المركزية CIA “بالتستر على حجم التدخل الصيني، وإخفاء وثائق استخباراتية مهمة عنه وعن نواب الكونغرس”. كما أعلن عزمه “رفع السرية” عن وثائق قال إنها تكشف “ثغرات خطيرة” في البنية التحتية للانتخابات الأمريكية، موجهاً وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي FBI، بفتح تحقيقات فورية شاملة وملاحقة المتورطين جنائياً.
في المقابل، سارعت بكين إلى نفي الاتهامات جملةً وتفصيلاً . فأكد السفير الصيني في واشنطن أن بلاده “تلتزم دائماً بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى”، مشدداً على أن الانتخابات الأمريكية “شأن داخلي يقرره الناخب الأمريكي وحده”.
أما داخل الولايات المتحدة، فقوبلت تصريحات ترمب بتشكيك واسع من جانب قيادات الديمقراطيين وعدد من المحللين السياسيين، الذين اعتبروا أن “توقيت” الإعلان ليس مصادفة، متهمين الرئيس بمحاولة “إحياء ملف التدخل الأجنبي في الانتخابات” قبيل استحقاقات التجديد النصفي للكونغرس، بهدف الضغط على المشرعين لإقرار قانون “إنقاذ أمريكا” SAVE Act الذي يشدد قواعد التصويت والتحقق من أهلية الناخبين، ويُعد أحد أهم المشاريع التي يعوّل عليها الجمهوريون لحشد قواعدهم الانتخابية في نوفمبر المقبل.
لكن، وعلى الرغم مما يحيط باتهامات ترمب من جدل سياسي، وما تثيره من شكوك حول توقيتها وسياقها الانتخابي، فإنها لا تأتي من فراغ كامل، ولا تخلو من وجاهة منطقية، إذا ما وُضعت في إطار أوسع يتعلق بتأجج “الحرب السيبرانية” بين واشنطن وبكين منذ سنوات أو عقود.
فبالتزامن تقريباً مع تصريحات ترمب، كشفت شركة ‘غوغل’ Google عن واحدة من أخطر عمليات التجسس الإلكتروني التي استهدفت مؤسسات أمريكية وكندية، في تقرير نشرته منصتها الأمنية Google Security Blog، وأعدته “مجموعة استخبارات التهديدات” التابعة للشركة العملاقة (Google Threat Intelligence Group – GTIG).
وبحسب التقرير، فإن مجموعة قرصنة تحمل الاسم UNC6508 (وترتبط بأنماط سبق رصدها لدى مجموعات تجسس صينية) نفّذت عملية اختراق وصفت بأنها من “أطول حملات التجسس الصامت وأكثرها تعقيداً” خلال السنوات الأخيرة، بعدما تمكن أفرادها من البقاء (الكمون) داخل شبكات أمريكية حساسة لأكثر من عام كامل دون اكتشافهم.
وأوضح التقرير أن نشاط المجموعة امتد بين سبتمبر 2023 ونوفمبر 2025، واستهدف مؤسسات أكاديمية وطبية وعسكرية بارزة في الولايات المتحدة وكندا، مع التركيز على جمع معلومات تتعلق بالاستخبارات الدفاعية، والاستراتيجية العسكرية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ (Indo-Pacific)، والذكاء الاصطناعي، والمركبات غير المأهولة، والحرب السيبرانية، والأبحاث الطبية الحيوية.
ولم تكشف ‘غوغل’ أسماء المؤسسات المستهدفة، لكنها أشارت إلى أنها تضم آلاف الباحثين والعاملين، وتدير ميزانيات بحثية بمليارات الدولارات، وتشمل مجالات تبدأ من اكتشاف الأدوية والتجارب السريرية، وصولاً إلى برامج الدفاع والأمن القومي.
وفي ذلك السياق، يقول ‘لوك ماكنمارا’ Luke McNamara نائب كبير المحللين في مجموعة الاستخبارات التابعة لغوغل، إن أساليب المجموعة التجسسية “تتوافق مع أنشطة قرصنة مرتبطة بالصين رُصدت على مدى سنوات، وتركز على جمع معلومات تهم حكومة بكين بالدرجة الأولى”.
وتكشف تفاصيل العملية عن مستوى غير مسبوق من التعقيد. إذ استغل القراصنة ثغرات في خوادم تعمل ببرنامج REDCap الشائع في الجامعات والمستشفيات ومراكز الأبحاث لإنشاء قواعد البيانات وإدارتها، قبل أن يسرقوا بيانات دخول “شرعية” تسمح لهم بالتسلل إلى الشبكات المستهدفة دون إثارة الشبهات.
بل وأنشأ المهاجمون نظاماً يحوّل أي رسالة بريد إلكتروني تحتوي على واحدة من نحو 150 كلمة مفتاحية إلى حساب Gmail يسيطرون عليه تلقائياً. وشملت هذه الكلمات أسماء باحثين، وعناوين بريد إلكتروني، وأرقام هواتف، إضافة إلى مصطلحات مرتبطة بالسياسات الجيوستراتيجية، والتكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والبرامج العسكرية، والأبحاث الطبية.
خبراء الأمن السيبراني يسمّون هذا النمط “التجسس الصامت” Silent Espionage، حيث لا يكون الهدف تعطيل الأنظمة أو تخريبها، وإنما السكن داخلها لأطول فترة ممكنة، وجمع أكبر كمية من البيانات القيّمة دون ترك آثار.
والحقيقة أن عملية UNC6508 الصينية ليست حالة معزولة، بل تندرج ضمن سلسلة طويلة من الهجمات السيبرانية التي نُسبت خلال السنوات الأخيرة إلى مجموعات مثل APT31 وAPT40، والتي استهدفت مؤسسات حكومية وشركات تعمل في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة والطب الحيوي في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا.
كما سبق لوزارة العدل الأمريكية ووكالات أمنية غربية أن وجهت اتهامات إلى قراصنة صينيين بالوقوف وراء حملات استهدفت سرقة أبحاث مرتبطة بجائحة كوفيد-19، وتقنيات اللقاحات، والرقائق الإلكترونية المتقدمة.
وفي المقابل، تصر الحكومة الصينية على نفي أي علاقة لها بتلك الأنشطة، وتصف الاتهامات الغربية بأنها “مسيّسة وغير مسؤولة وبلا أدلة”، وهي الصيغة ذاتها التي كررتها بكين رداً على تقرير ‘غوغل’ الأخير.
وبينما تفرض واشنطن قيوداً متزايدة على تصدير التقنيات المتقدمة إلى الصين (خصوصاً الرقائق الإلكترونية)، تؤكد التقارير الحديثة أن المنافسة الأمريكية الصينية في تقنيات الذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، والحوسبة الفائقة Advanced Computing، تصاعدت بوتيرة غير مسبوقة خلال الأعوام الخمسة الأخيرة.
ولذلك، لم يعد الأمن القومي في نظر الدول مرتبطاً فقط بحماية الحدود أو المنشآت العسكرية، بل بات يشمل حماية قواعد البيانات، والأبحاث العلمية، والملكية الفكرية، باعتبارها الركائز الأساسية للقوة الاقتصادية والعسكرية في القرن الحادي والعشرين.
من هذه الزاوية، تبدو اتهامات ترمب للصين، مهما بدت مثيرة للجدل أو محملة بحسابات انتخابية، جزءاً من سياق أوسع يشهد تصعيدا غير مسبوق في حرب الظل بين أكبر قوتين اقتصاديتين وعسكريتين وتكنولوجيتين في العالم.
صحيح أن الرئيس الأمريكي “الموتور” لم يقدم حتى الآن أدلة علنية تثبت مزاعمه بشأن التلاعب الصيني في نتائج انتخابات 2020، التي سبق أن استبعدت تحقيقات المؤسسات الأمريكية الرسمية معظم الشبهات حول نتائجها، إلا أن الوقائع المتراكمة خلال الأعوام الأخيرة، من حملات التجسس على الوكالات الفيدرالية، إلى اختراقات الجامعات والمختبرات ومراكز الأبحاث، مروراً بقضية بالونات التجسس، وصولاً إلى تقرير ‘غوغل’ الأحدث، تؤكد أن المنافسة بين واشنطن وبكين تجاوزت حدود التجارة والرسوم الجمركية والمهاترات السياسية إلى “حرب باردة رقمية” Digital Cold War، لها أدواتها التجسسية التي تشبه عصر الجيل Z.
