أخبارالهلال الخصيبعاجلملفات

طبول الحرب في البحر الأحمر .. وجرائم الازدهار الأمريكية في اليمن

كتب: هانى الكنيسى 

ومع عودة الاستنفار العسكري في البحر الأحمر، وتجدّد القتال في اليمن بعد قصف ميناء المخا وتكثيف الهجمات الحوثية على السفن التجارية في مضيق باب المندب (أسفرت إحداها عن سقوط قتلى من البحّارة الباكستانيين والإندونيسيين)، ومع تصاعد التنديدات الخليجية والعربية والإقليمية، وتعالي الدعوات لتدخّل أمريكي ودولي حاسم “يقطع الذراع الإيراني في اليمن ويؤمّن الملاحة البحرية في أحد أهم شرايين التجارة العالمية”، يلقي التقرير المنشور في ‘وول ستريت جورنال’ WSJبمفاجأة “مزعجة” للإدارة الأمريكية: 153 مدنياً قُتلوا في ثلاث غارات على اليمن خلال العام الماضي وأصيب مئات آخرون، وفق “تقييم داخلي” أعدّه البنتاغون وأُرسل إلى الكونغرس أمس الثلاثاء. 

هذا التقييم هو أول اعتراف “رسمي” من إدارة ترمب بحجم الخسائر البشرية التي تسببت بها “عملية حارس الازدهار – Operation Prosperity Guardian”

الأمريكية على جماعة الحوثيين في اليمن، بين يناير ومارس من عام 2025 . 

تقرير البنتاغون الذي وصفته الصحيفة الأمريكية بأنه “أول إقرار رسمي بحجم الضحايا المدنيين في اليمن”، يكشف أن سلسلة الضربات التي نُفذت في إطار ما سمّته واشنطن حينها “حملة لوقف الهجمات الحوثية على الملاحة الدولية”، أدت إلى مقتل وإصابة مئات المدنيين، في مناطق سكانية كانت تعاني أصلاً من انهيار البنية التحتية. 

وفي التفاصيل، يوضح التقرير أن الضربات الثلاث التي تسببت في مقتل 153 مدنياً كانت جزءاً من حملة جوية واسعة شملت أكثر من 40 غارة، بعضها نُفذ بطائرات F-15 وF-18، وبعضها الآخر بطائرات مسيّرة من طرازMQ‑9 Reaper. كما تشير الأدلة الواردة إلى أن إحدى الهجمات أصابت سوقا شعبيا، فيما دمّرت غارة أخرى مبنى سكنياً كان الحوثيون يستخدمون جزءاً منه كمخزن أسلحة، دون التأكد من خلوّه من المدنيين.

ووفق ‘وول ستريت جورنال’، فإن التقييم الداخلي للبنتاغون اعتمد على صور الأقمار الصناعية، وتحليل بقايا الذخائر، وتقارير ميدانية من منظمات دولية، إضافة إلى مراجعة استخباراتية لاحقة للعمليات العسكرية في تلك الفترة. 

وتنقل الصحيفة عن مصادر مطلعة أن التقييم الداخلي “لم يكن سهلاً على المؤسسة العسكرية”، وأن بعض الضباط المشاركين في إعداد التقرير “عبّروا عن قلقهم من أن المعلومات الاستخباراتية التي بُنيت عليها الضربات لم تكن دقيقة بما يكفي”. فيقول أحد المسؤولين نصًا: ” نقرّ بوقوع أخطاء، ونعترف بأن بعض الضربات لم تحقق أهدافها العسكرية المرجوة”. 

والحقيقة أن هذا الاعتراف “الرسمي” يأتي متأخرًا بعد أشهر من صدور تقارير شككت في التزام الجيش الأميركي بقواعد الاشتباك، وعقب انتقادات متكررة من منظمات حقوقية دولية مثل ‘هيومن رايتس ووتش’ HRW، و منظمة ‘العفو الدولية’Amnesty ، أكدت أن الضربات الأمريكية في اليمن (كما في أفغانستان سابقًا) “لم تكن دقيقة، وتجاهلت وجود تجمعات مدنية في محيط الأهداف”. 

إلا أن أهمية تقرير البنتاغون الأخير تكمن في توقيته وفي أبعاده “السياسية”، وبالتحديد إحراجه لإدارة ترمب التي كانت تصر أن ضرباتها في اليمن “جراحية ومحدودة”، وأنها تستهدف “قدرات الحوثيين العسكرية فقط”. بينما يناقض التقييم الجديد تلك الرواية، ويضع الإدارة أمام مساءلة قانونية في الكونغرس، بالتزامن مع تراجع التأييد الشعبي لأي تدخل عسكري جديد في الشرق الأوسط، وفق أحدث استطلاعات الرأي العام الأمريكية. وبالتوازي مع تحذيرات الخبراء الغربيين من أي ضربات عسكرية جديدة في اليمن قد تؤدي إلى تعزيز نفوذ إيران (عبر الحليف الحوثي) في المنطقة، وفتح جبهة حرب إضافية في البحر الأحمر تضاعف من تداعيات أزمة الاقتصاد العالمي المرتبطة بتعطيل مسارات النفط والتجارة في مضيق هرمز. 

وفي الصورة الأوسع -والأكثر حساسية- فإن هذا الاعتراف يضع واشنطن أمام تحديات في علاقتها مع حلفائها الإقليميين، خصوصاً السعودية والإمارات (اللتين حاولتا خلال العام الماضي دفع الولايات المتحدة إلى لعب دور أكبر في مواجهة الحوثيين)، مثلما يزيد من فرص إقبال دول المنطقة على إبرام تحالفات جانبية على غرار “اتفاق مكة” لتأمين مصالحها الاستراتيجية، بعيدًا عن “ورطة” المظلة الأمريكية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى