إبداعات عربيةعاجلمقالاتنحن والغرب

إلين ميكسنز وود: كيف نشأت الرأسمالية ولماذا لم تكن حتمية؟ – الجزء الأول

بقلم: سمير سليم 

عندما نتحدث عن الرأسمالية، غالبًا ما نتعامل معها وكأنها نتيجة طبيعية لتطور المجتمعات. فقد يبدو الأمر بسيطا ظهرت التجارة، واتسعت الأسواق، تطورت المدن، تراكمت الثروة، ثم ظهرت المصانع والرأسمالية الحديثة.

لكن المؤرخة والمفكرة الماركسية الأمريكية إلين ميكسنز وود رفضت هذه الرواية المبسطة، وطرحت سؤالا أكثر عمقا .

هل كانت الرأسمالية نتيجة طبيعية لتطور التجارة والأسواق، أم أنها ظهرت نتيجة تحول تاريخي محدد في علاقات الملكية والطبقات والسلطة؟

هذا السؤال كان محورا أساسيا في مشروعها الفكري، وجعلها واحدة من أهم المؤرخين الماركسيين الذين أعادوا التفكير في أصل الرأسمالية وطبيعة النظام الذي نعيش داخله.

لم تكن وود تحاول فقط إعادة كتابة تاريخ الرأسمالية، بل كانت تريد تغيير الطريقة التي نفهم بها هذا النظام. فإذا كانت الرأسمالية قد ظهرت نتيجة ظروف تاريخية محددة، فإنها ليست بالضرورة مرحلة طبيعية أو حتمية يمر بها كل مجتمع، وهذا يعني أن فهم نشأتها يساعدنا أيضا على فهم حدودها وإمكان تجاوزها.

ولدت إلين ميكسنز وود عام 1942 في الولايات المتحدة، ونشأت في بيئة فكرية تأثرت بالنقاشات اليسارية والماركسية. درست العلوم السياسية، ثم أصبحت واحدة من أبرز الأصوات في مجال التاريخ الماركسي، وارتبط اسمها بما أصبح يعرف بالماركسية السياسية.

وقد تميز مشروعها برغبتها في العودة إلى التاريخ نفسه، لاستخراج الطريقة التي تشكلت بها العلاقات الرأسمالية، بدلا من افتراض وجودها منذ البداية.

هل التجارة صنعت الرأسمالية؟

كان أحد الأهداف الرئيسية لوود هو نقد الفكرة التي تقول إن الرأسمالية نشأت ببساطة نتيجة توسع التجارة.

فالتجارة كانت موجودة قبل الرأسمالية بقرون طويلة.

كان التجار يتنقلون بين المدن والدول، وكانت الأسواق موجودة في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وكان هناك تراكم للثروة ونشاط تجاري واسع.

ومع ذلك لم تتحول كل هذه المجتمعات إلى مجتمعات رأسمالية.

وهنا تطرح وود سؤالًا بالغ الأهمية:

إذا كانت التجارة والأسواق موجودة قبل الرأسمالية بوقت طويل، فلماذا ظهرت الرأسمالية في مكان معين وفي فترة تاريخية محددة؟

إجابتها تقودنا إلى إنجلترا.

خصوصية إنجلترا

ترى وود أن التحول الحاسم حدث في الريف الإنجليزي، حيث تطورت علاقات ملكية وضغوط اقتصادية مختلفة عن تلك الموجودة في أجزاء أخرى من أوروبا.

ففي كثير من المجتمعات الزراعية القديمة، كان الفلاح يستطيع الوصول إلى الأرض من خلال أشكال متعددة من الحقوق والعلاقات التقليدية، ولم يكن مضطرا بالضرورة إلى تحقيق أعلى إنتاجية ممكنة لكي يحافظ على وجوده.

أما في الريف الإنجليزي، فقد تطورت تدريجيًا علاقات جعلت المزارعين وأصحاب الأراضي أكثر اعتمادًا على السوق.

وهنا يظهر مفهوم أساسي في فكر وود:

الاعتماد على السوق.

ماذا يعني الاعتماد على السوق؟

الاعتماد على السوق لا يعني ببساطة وجود سوق يبيع فيه الناس منتجاتهم.

فالسوق موجود في معظم المجتمعات القديمة.

لكن المختلف في الرأسمالية هو أن الوصول إلى الأرض ووسائل الإنتاج والحفاظ عليها يصبح مرتبطًا بصورة متزايدة بالقدرة على المنافسة في السوق.

فالمزارع الذي لا يستطيع تحقيق إنتاجية كافية قد يفقد أرضه.

وصاحب الأرض الذي لا يستطيع تحقيق عائد مناسب قد يفقد قدرته على المنافسة.

والعامل الذي لا يمتلك وسائل إنتاج خاصة به يصبح مضطرا إلى بيع قوة عمله من أجل الحصول على الدخل.

وهكذا يتحول السوق من مجرد وسيلة لتبادل المنتجات إلى قوة تفرض نفسها على عملية الإنتاج نفسها.

وهذه، في نظر وود، واحدة من الخصائص الأساسية التي تميز الرأسمالية عن الاقتصادات السابقة.

الرأسمالية ليست مجرد وجود السوق

وهنا تصل وود إلى نقطة شديدة الأهمية:

ليس كل اقتصاد سوق اقتصادًا رأسماليًا.

يمكن أن توجد الأسواق في مجتمع لا يزال قائمًا على علاقات إنتاج غير رأسمالية.

ويمكن أن توجد تجارة واسعة من دون وجود مجتمع رأسمالي بالمعنى الكامل.

الرأسمالية تظهر عندما تصبح السوق قوة تضغط على المنتجين أنفسهم، وتجبرهم على زيادة الإنتاجية والمنافسة وخفض التكاليف، وإلا تعرضوا لخطر فقدان الأرض أو العمل أو القدرة على البقاء.

وبذلك يصبح السوق ليس مكانًا للتبادل فقط، وإنما آلية لتنظيم الحياة الاقتصادية.

لماذا هذا مهم؟

قد يبدو هذا النقاش تاريخيًا بعيدًا عن حياتنا اليومية، لكنه في الحقيقة يغير طريقة فهمنا للرأسمالية.

إذا اعتبرنا الرأسمالية نتيجة طبيعية لتوسع التجارة، فسوف يبدو من الطبيعي أن تستمر إلى الأبد.

أما إذا رأينا أنها نشأت من علاقات اجتماعية وتاريخية محددة، فإنها تصبح نظامًا تاريخيًا له بداية، وبالتالي يمكن أن يكون له تحول أو نهاية.

وهنا تكمن أهمية مشروع إلين ميكسنز وود.

فهي لا تقول إن الرأسمالية ظهرت لأن البشر اكتشفوا فجأة فوائد التجارة، وإنما لأن تغيرا عميقا حدث في علاقة الإنسان بالأرض والعمل والملكية والسوق.

الصراع الطبقي في قلب التاريخ

كانت وود تؤكد أهمية الصراع الطبقي في تفسير التحولات التاريخية.

لكنها لم تكن تتعامل معه باعتباره مجرد صراع بين فئتين ثابتتين، بل باعتباره عملية تاريخية تتغير فيها علاقات الملكية والسلطة والعمل.

فالتغيرات الكبرى لا تحدث فقط نتيجة تطور التكنولوجيا أو نمو التجارة، وإنما نتيجة الصراعات التي تدور حول من يملك الأرض، ومن يعمل فيها، ومن يحصل على فائض الإنتاج، ومن يملك القدرة على فرض شروطه على الآخرين.

ومن هنا عادت وود إلى التاريخ الإنجليزي لتوضح كيف ساهمت الصراعات بين ملاك الأراضي والفلاحين وغيرهم من الفئات الاجتماعية في تشكيل ظروف مختلفة مهدت لظهور الرأسمالية.

نقد الحتمية الاقتصادية

كانت وود أيضًا ناقدة لما اعتبرته بعض أشكال الحتمية الاقتصادية داخل الفكر الماركسي.

فهي لم تكن ترى أن التكنولوجيا تتطور أولًا ثم تفرض شكلًا معينًا من العلاقات الاجتماعية.

بل كانت تؤكد أن العلاقة أكثر تعقيدًا.

فالمجتمع والسياسة والصراع الطبقي والمؤسسات كلها تشارك في تشكيل الطريقة التي يستخدم بها البشر التكنولوجيا وينظمون بها الإنتاج.

وبذلك حاولت إعادة الاعتبار إلى التاريخ والسياسة والصراع الاجتماعي داخل التحليل الماركسي.

زر الذهاب إلى الأعلى