إبداعات عربيةعاجلمتنوعاتمقالاتنحن والغرب

جيوفاني أريغي: كيف تنتقل قيادة الرأسمالية من قوة إلى أخرى؟ (الجزء الأول

بقلم: سمير سليم

عندما نتأمل تاريخ الرأسمالية الحديثة، تبدو لنا القوى الكبرى وكأنها ثابتة في مواقعها. لكن التاريخ يقول شيئًا مختلفًا. فالدولة التي تقود الاقتصاد العالمي في مرحلة معينة قد تفقد موقعها بعد عقود أو قرون، لتظهر قوة أخرى أكثر قدرة على تنظيم التجارة والمال والإنتاج وفرض قواعد اللعبة الدولية.

من هنا بدأ المفكر الإيطالي جيوفاني أريغي أحد أهم أسئلته الفكرية: كيف تنتقل قيادة النظام الرأسمالي من قوة إلى أخرى؟

لم يكن أريغي ينظر إلى صعود الدول الكبرى وسقوطها باعتباره سلسلة من الأحداث السياسية المنفصلة، بل حاول اكتشاف نمط تاريخي أوسع يفسر التحولات المتكررة في مركز الاقتصاد العالمي.

وقد أصبح واحدا من أبرز المفكرين الذين طوروا دراسة الرأسمالية من منظور تاريخي عالمي، مستفيدا من أعمال كارل ماركس، ومن أفكار إيمانويل والرشتاين، ومن دراسات التاريخ الاقتصادي والسياسي، لكنه قدم في الوقت نفسه تصورًا خاصًا به حول العلاقة بين رأس المال والسلطة والدولة والنظام العالمي.

ولد جيوفاني أريغي عام 1937 في إيطاليا، ودرس الاقتصاد، ثم اتجه تدريجيًا إلى علم الاجتماع والاقتصاد السياسي والتاريخ العالمي. وقد قادته تجربته الأكاديمية والبحثية إلى دراسة التحولات الاقتصادية والاجتماعية ليس في أوروبا وحدها، وإنما في أفريقيا وآسيا والعالم كله.

وكان اهتمامه بأفريقيا مهما في تكوين مشروعه الفكري، لأنه أتاح له رؤية التفاوت العالمي من زاوية مختلفة، وأظهر له أن العلاقات بين الدول والمجتمعات لا يمكن فهمها فقط من خلال التطورات الداخلية لكل دولة.

ومع مرور الوقت أصبح أريغي مهتما بسؤال أكبر: كيف استطاعت بعض الدول أن تتحول إلى مراكز للثروة والقوة العالمية، بينما بقيت مناطق أخرى في مواقع أقل قوة داخل النظام الدولي؟

وهنا بدأ اهتمامه بتاريخ الرأسمالية باعتباره تاريخا متحركا، تتغير فيه مراكز القوة باستمرار.

الرأسمالية ليست ثابتة

كان أريغي يرى أن الرأسمالية لا تعمل بالطريقة نفسها في كل مرحلة تاريخية. فهي تتغير مع تغير القوى التي تقودها، كما تتغير أدوات السيطرة والتجارة والتمويل والإنتاج.

ومن أهم الأفكار التي طورها أن النظام الرأسمالي العالمي مر بعدة دورات كبرى، ارتبطت كل واحدة منها بقوة مهيمنة قادرة على تنظيم جزء كبير من الاقتصاد العالمي.

فقد سبقت الولايات المتحدة قوى أخرى تولت قيادة النظام في مراحل تاريخية مختلفة، وعلى رأسها هولندا ثم بريطانيا.

لكن أريغي لم يكن يرى أن الانتقال بين هذه القوى يحدث بصورة بسيطة، أو أن قوة جديدة تظهر فجأة لتحل محل القوة القديمة.

بل كان يرى أن هناك مراحل طويلة من التوسع الاقتصادي، تتبعها أزمات متزايدة، ثم تبدأ القوة المهيمنة في الاعتماد بدرجة أكبر على النشاط المالي بدلا من التوسع الإنتاجي.

وهذه النقطة أصبحت واحدة من أكثر أفكاره شهرة.

من الإنتاج إلى المال

لاحظ أريغي أن القوى التي تقود النظام الرأسمالي تمر في مراحل معينة بانتقال تدريجي من التركيز على الإنتاج والتجارة إلى الاعتماد المتزايد على المال والتمويل.

فعندما تصل القوة المهيمنة إلى مرحلة متقدمة من التطور، تصبح فرص الاستثمار المربح داخل اقتصادها أقل، فيتجه رأس المال بصورة متزايدة نحو النشاط المالي.

وهنا يرى أريغي أن ازدهار المال قد يكون في الوقت نفسه علامة على قوة النظام وعلامة على دخوله مرحلة من التراجع.

فالقوة التي كانت تحقق ثروتها أساسا من الإنتاج والتجارة تبدأ تدريجيا في تحقيق نسبة أكبر من أرباحها من التمويل والاستثمار والمضاربات.

وهذا لا يعني أن الإنتاج يختفي، وإنما يعني أن العلاقة بين الإنتاج والمال تتغير.

لماذا هولندا وبريطانيا والولايات المتحدة؟

اعتمد أريغي على دراسة تاريخية طويلة لفهم هذه التحولات.

فقد رأى أن هولندا لعبت دورا أساسيا في مرحلة مبكرة من تطور الرأسمالية العالمية، ثم انتقلت القيادة تدريجيا إلى بريطانيا، وبعد ذلك إلى الولايات المتحدة.

ولم تكن هذه التحولات مجرد انتقال للثروة من بلد إلى آخر، بل كانت انتقالا في القدرة على تنظيم التجارة العالمية، والسيطرة على طرق التجارة، وإدارة المال، والتأثير في المؤسسات الدولية، وامتلاك القوة العسكرية والسياسية اللازمة لحماية المصالح الاقتصادية.

ومن هنا فإن الهيمنة، في فكر أريغي، ليست اقتصادية فقط.

إنها مزيج من القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والقدرة على تنظيم النظام الدولي.

وهذا ما يجعل مشروعه مختلفًا عن التفسيرات التي تقيس قوة الدولة بحجم اقتصادها فقط.

كتاب «دورات رأس المال»

بلغ مشروع أريغي ذروته في كتابه الشهير «دورات رأس المال»، الذي نشر في نهاية القرن العشرين.

في هذا العمل حاول أن يقدم تفسيرًا تاريخيا لصعود الرأسمالية العالمية وتطور مراكزها الرئيسية، وأن يربط بين حركة رأس المال والتحولات في ميزان القوى الدولي.وكان السؤال الأساسي الذي يحكم تحليله هو: لماذا تتكرر التحولات الكبرى في النظام الرأسمالي؟

ومن خلال دراسة عدة قرون، حاول أريغي اكتشاف أنماط مشتركة بين المراحل المختلفة، مع التأكيد على أن التاريخ لا يتكرر بصورة حرفية.

فكل دورة جديدة تحمل معها ظروفًا جديدة وقوى جديدة وتناقضات مختلفة.

أريغي والصين

ربما أصبح اسم أريغي أكثر حضورًا في السنوات الأخيرة بسبب اهتمامه بالصين.

فقد كان يرى أن صعود الصين لا يمكن تفسيره ببساطة باعتبار صعود دولة فقيرة أصبحت غنية.

بل يجب وضعه داخل التاريخ الطويل للنظام العالمي.

وكان يرى أن الصين تمتلك عناصر قوة مختلفة عن تلك التي اعتمدت عليها القوى الغربية في مراحل سابقة، وأن فهم مستقبل النظام العالمي يتطلب دراسة التجربة الصينية بعيدًا عن التفسيرات السطحية التي تختزلها في المنافسة التجارية مع الولايات المتحدة.

ولهذا أصبحت أفكاره ذات أهمية خاصة لكل من يحاول فهم التحولات الجارية في ميزان القوة العالمي.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى