إبداعات عربيةعاجلمتنوعاتمقالاتملفات

جيوفاني أريغي: كيف تنتقل قيادة الرأسمالية من قوة إلى أخرى؟ – لجزء الثاني

بقلم: سمير سليم

لكن أهمية جيوفاني أريغي لا تتوقف عند محاولة تفسير صعود القوى الكبرى وانتقال الهيمنة بينها، بل تمتد إلى السؤال الأكثر أهمية: ماذا يحدث عندما تدخل القوة المهيمنة مرحلة التراجع؟

كان أريغي يرى أن التراجع لا يحدث عادة بصورة مفاجئة. فالقوة المهيمنة يمكن أن تظل قوية عسكريًا وسياسيًا لفترة طويلة، حتى بعد أن تبدأ قدرتها على تحقيق التفوق الاقتصادي في التراجع.

وهنا يظهر الفرق بين القوة والهيمنة.فالدولة يمكن أن تمتلك أكبر جيش في العالم، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تحافظ إلى الأبد على موقعها الاقتصادي إذا تغيرت موازين الإنتاج والتجارة والمال.

ومن هذا المنظور، كان أريغي يرى أن نهاية الهيمنة ليست بالضرورة نهاية الدولة المهيمنة نفسها، وإنما نهاية قدرتها على تنظيم النظام العالمي بالشروط التي كانت تفرضها في مرحلة سابقة.

الولايات المتحدة وأزمة الهيمنة

كان أريغي من المفكرين الذين اهتموا مبكرًا بمناقشة مستقبل الهيمنة الأمريكية.

ولم يكن يرى أن الولايات المتحدة ستنهار فجأة، أو أن صعود قوة أخرى يعني بالضرورة اختفاءها من الساحة الدولية.

بل كان يرى أن الولايات المتحدة يمكن أن تظل قوة كبرى لوقت طويل، بينما يتغير في الوقت نفسه موقعها داخل الاقتصاد العالمي.

وقد ربط ذلك بزيادة الاعتماد على النشاط المالي، وبانتقال جزء كبير من الإنتاج الصناعي إلى مناطق أخرى من العالم، وخصوصًا شرق آسيا.

وهنا تظهر إحدى المفارقات التي اهتم بها أريغي:

فالقوة التي قادت النظام العالمي من خلال الإنتاج والتوسع الصناعي قد تتحول تدريجيًا إلى قوة تعتمد بصورة أكبر على التمويل وإدارة رأس المال.

وهذا التحول يمكن أن يمنحها أرباحًا ضخمة على المدى القصير، لكنه قد يكشف في الوقت نفسه عن تغير أعمق في موازين الاقتصاد العالمي.

الصين ليست مجرد قوة صاعدة

اهتمام أريغي بالصين لم يكن نابعًا من الرغبة في التنبؤ فقط بمن سيحل محل الولايات المتحدة. بل كان السؤال بالنسبة إليه أكثر عمقًا: هل ستعيد الصين إنتاج النموذج الغربي نفسه، أم أنها ستقدم شكلًا مختلفًا من التنمية؟

وهنا كان أريغي أكثر حذرًا من كثير من التحليلات التي رأت في صعود الصين مجرد انتقال للقيادة من دولة غربية إلى دولة أخرى.

فالصين، في رأيه، تمتلك تاريخًا طويلًا من التنظيم الاقتصادي والسياسي يختلف عن التاريخ الأوروبي، كما أن علاقتها بالدولة والسوق والمجتمع لا تتطابق بصورة كاملة مع التجربة الغربية.

ولهذا رأى أن صعود الصين قد يؤدي إلى إعادة تشكيل النظام العالمي بطريقة لا يمكن اختزالها في مجرد استبدال واشنطن ببكين.

هل نهاية الهيمنة الأمريكية تعني نهاية الرأسمالية؟

هنا تظهر إحدى أهم نقاط الاختلاف بين أريغي وبعض القراءات التقليدية.

فانتقال مركز القوة من دولة إلى أخرى لا يعني بالضرورة نهاية الرأسمالية.

قد يتغير مركز القيادة بينما تستمر الرأسمالية في إعادة إنتاج نفسها بأشكال جديدة.

ولهذا يجب التمييز بين سؤالين:

من يقود النظام العالمي؟

وما طبيعة النظام الذي تتم قيادته؟

قد تتغير الإجابة عن السؤال الأول دون أن تتغير الإجابة عن الثاني.

لكن أريغي كان يرى في الوقت نفسه أن الأزمات المتراكمة يمكن أن تفتح الباب أمام تحول أعمق، خصوصًا عندما تتزامن الأزمة الاقتصادية مع أزمات اجتماعية وسياسية وبيئية.

أريغي والرأسمالية العالمية

كان أريغي قريبًا من الماركسية في اهتمامه بحركة رأس المال وتناقضات النظام الرأسمالي، لكنه لم يكن ماركسيًا تقليديًا بالمعنى الضيق.

فهو لم يكتفِ بتحليل العلاقة بين العامل وصاحب رأس المال داخل المصنع، بل حاول دراسة حركة رأس المال على مستوى العالم كله، وربط الاقتصاد بالقوة السياسية والعسكرية وبالتغيرات التاريخية الكبرى.

وهنا يلتقي مع إيمانويل والرشتاين في النظر إلى الرأسمالية باعتبارها نظامًا عالميًا، لكنه يختلف عنه في تركيزه الكبير على دورات الهيمنة وانتقال مراكز القوة.

كما يلتقي مع سمير أمين في رفض النظر إلى الاقتصاد العالمي باعتباره مجموعة من الاقتصادات الوطنية المستقلة، لكنه يركز بصورة أكبر على التحولات التاريخية في مراكز القيادة.

ماذا يضيف أريغي إلى فهم عالم اليوم؟

تزداد أهمية أفكار أريغي عندما ننظر إلى التحولات التي يشهدها العالم اليوم.

فالصناعة العالمية تغيرت بصورة عميقة، والصين أصبحت قوة اقتصادية كبرى، وشرق آسيا يحتل موقعًا متزايد الأهمية في الاقتصاد العالمي، بينما تواجه الولايات المتحدة تحديات لم تكن موجودة بالحجم نفسه في العقود السابقة.

لكن هذا لا يعني أن انتقال الهيمنة قد اكتمل، ولا يعني أن الصين أصبحت بالفعل القوة المهيمنة الجديدة.

وهنا يجب استخدام أريغي باعتباره أداة لفهم الاتجاهات التاريخية، وليس باعتباره صاحب نبوءة جاهزة.

فالتاريخ أكثر تعقيدًا من أن يتحول إلى جدول زمني ثابت ينتقل فيه مركز القوة من دولة إلى أخرى.

حدود نظرية أريغي

رغم أهمية مشروعه، تعرضت أفكار أريغي لانتقادات عديدة.

فبعض الباحثين رأوا أن فكرة الدورات التاريخية يمكن أن تؤدي أحيانًا إلى البحث عن أنماط متشابهة في أحداث تختلف في ظروفها.

كما أن التنبؤ بمستقبل النظام العالمي يظل شديد الصعوبة، لأن التكنولوجيا والحروب والتحولات السياسية يمكن أن تغير مسار الأحداث بصورة غير متوقعة.

كذلك فإن صعود الصين لا يعني بالضرورة أنها ستكرر المسار نفسه الذي سلكته بريطانيا أو الولايات المتحدة.

وهذه الانتقادات مهمة لأنها تذكرنا بأن قيمة أريغي الأساسية ليست في أنه قدم قانونًا ثابتًا للتاريخ، وإنما في أنه قدم طريقة مختلفة للنظر إلى العلاقة بين رأس المال والدولة والسلطة العالمية.

لماذا يبقى أريغي مهمًا؟

تكمن أهمية جيوفاني أريغي في أنه جعلنا ننظر إلى الرأسمالية باعتبارها تاريخًا متحركًا.

فالرأسمالية ليست نظامًا ثابتًا له مركز واحد إلى الأبد، وإنما منظومة تتغير مراكز قوتها وتتبدل أدواتها وتتطور أشكالها.

ومن خلال هذا المنظور يمكن فهم صعود هولندا وبريطانيا والولايات المتحدة باعتباره جزءًا من تاريخ أطول، كما يمكن طرح أسئلة أكثر عمقًا حول مستقبل الصين والهند وشرق آسيا ومستقبل النظام العالمي نفسه.

وقد رحل أريغي عام 2009، لكنه ترك وراءه مشروعًا فكريًا لا يزال حاضرًا في النقاش حول التحولات العالمية.

وربما تكمن المفارقة في أن كثيرًا من الأسئلة التي كان يطرحها أصبحت أكثر حضورًا بعد رحيله: هل تتراجع الهيمنة الأمريكية؟ هل تدخل الرأسمالية مرحلة تاريخية جديدة؟ هل تستطيع الصين أن تغير قواعد النظام العالمي؟ وهل نحن أمام انتقال حقيقي في مركز القوة أم أمام مرحلة جديدة من إعادة تنظيم النظام نفسه؟

لم يكن جيوفاني أريغي مجرد مؤرخ للرأسمالية، بل كان مفكرًا حاول أن يفهم حركتها عبر الزمن.

ومن خلال دراسته لدورات رأس المال وانتقال الهيمنة، أوضح أن القوة الاقتصادية لا تبقى في يد دولة واحدة إلى الأبد، وأن النظام العالمي يعيد تشكيل نفسه باستمرار.

وقد تكون أهم مساهمة له أنه علمنا ألا ننظر إلى صعود قوة كبرى أو تراجع أخرى باعتباره حدثًا منفردًا، بل باعتباره جزءًا من حركة تاريخية طويلة.

فمن هولندا إلى بريطانيا، ومن بريطانيا إلى الولايات المتحدة، ظهرت تحولات كبرى في مركز النظام الرأسمالي.

واليوم، مع صعود الصين وتغير موازين الاقتصاد العالمي، يعود السؤال الذي شغل أريغي بقوة أكبر:

هل نحن أمام انتقال جديد في مركز الرأسمالية العالمية، أم أمام إعادة تشكيل للنظام القديم من دون نهايته؟

ربما لا نملك حتى الآن إجابة نهائية.

لكن ما تركه أريغي لنا هو طريقة للنظر إلى العالم تجعلنا نفهم أن القوة الاقتصادية والسياسية ليست ثابتة، وأن التاريخ لا يتحرك في خط مستقيم، وأن الرأسمالية نفسها، مهما بدت قوية ومستقرة، تظل نظامًا تاريخيًا قابلًا للتحول.

وهنا تلتقي أهمية أريغي مع أهمية المفكرين الذين سبقوه في هذه السلسلة: فهم الرأسمالية لا يعني فقط معرفة كيف تعمل، بل فهم كيف تتغير، ومن يملك القدرة على تغييرها، وإلى أين يمكن أن يتجه العالم عندما يبدأ ميزان القوة في التحول.

زر الذهاب إلى الأعلى