إبداعات عربيةعاجلملفاتنحن والغرب

إريك أولين رايت: هل يمكن بناء بديل للرأسمالية؟ ( الجزء الاول)

بقلم: سمير سليم 

عندما نتحدث عن نقد الرأسمالية، فإن السؤال لا يتوقف عند كشف عيوبها أو تحليل أزماتها. فهناك سؤال أكثر صعوبة يظل مطروحًا أمام كل مشروع يسعى إلى تغيير المجتمع:

إذا كانت الرأسمالية تحمل أشكالًا من الظلم وعدم المساواة، فهل يمكن بناء نظام بديل لها؟ وكيف يمكن الانتقال من نقد الواقع إلى بناء البديل؟

هذا السؤال احتل مكانة مركزية في المشروع الفكري لعالم الاجتماع الأمريكي إريك أولين رايت، الذي أصبح واحدًا من أبرز المفكرين الماركسيين الذين حاولوا إعادة التفكير في الطبقات والصراع الاجتماعي والاشتراكية في ظروف مختلفة تمامًا عن الظروف التي عاش فيها كارل ماركس.

لم يكن رايت من الذين اعتقدوا أن الرأسمالية ستنهار تلقائيًا نتيجة تناقضاتها، كما لم يكن يرى أن مجرد الاستيلاء على السلطة السياسية كافٍ لبناء مجتمع اشتراكي. بل حاول أن يطرح سؤالًا أكثر واقعية:ما البدائل التي يمكن بناؤها بالفعل، داخل المجتمع القائم، ويمكن أن تتطور تدريجيًا إلى نظام أكثر عدالة وديمقراطية؟

ومن هنا جاءت أهمية مشروعه الفكري، الذي حاول الجمع بين التحليل الماركسي وبين دراسة المؤسسات والطبقات والبدائل الاجتماعية بصورة عملية.

ولد إريك أولين رايت عام 1947 في الولايات المتحدة، ودرس العلوم الاجتماعية والفلسفة، ثم أصبح أستاذًا لعلم الاجتماع. وقد تأثر بالفكر الماركسي، لكنه لم يتعامل معه باعتباره مجموعة من الإجابات النهائية، بل باعتباره إطارًا نقديًا يمكن تطويره واختباره أمام التحولات التي شهدتها المجتمعات الحديثة.

وفي مرحلة كانت فيها الماركسية تواجه أزمات كبيرة بعد تراجع نفوذ الأحزاب الشيوعية وانهيار الاتحاد السوفيتي، اختار رايت ألا يتخلى عن المشروع الاشتراكي، لكنه في الوقت نفسه رفض الدفاع عن النماذج الاشتراكية القديمة دون نقد.

وكان يرى أن الاشتراكية لا يمكن أن تستعيد معناها بمجرد الحنين إلى الماضي، وإنما تحتاج إلى إعادة تعريف أهدافها ووسائلها بما يتناسب مع المجتمع الحديث.

هل ما زالت الطبقات موجودة؟

كان السؤال الأول الذي واجهه رايت هو سؤال الطبقات فالمجتمع الحديث لم يعد يتكون ببساطة من رأسماليين يمتلكون المصانع من جهة، وعمال لا يملكون سوى قوة عملهم من جهة أخرى.

ظهرت طبقات وسطى واسعة، ومديرون وموظفون متخصصون، وأصحاب أعمال صغيرة، وشرائح مهنية تمتلك قدرًا من السلطة أو المعرفة دون أن تمتلك رأس المال بالمعنى التقليدي.ولهذا طور رايت مفهومًا مهمًا هو المواقع الطبقية المتناقضةفبعض الأشخاص قد يكونون في موقع يجمع بين خصائص مختلفة في الوقت نفسه.

فالمدير مثلًا لا يمتلك الشركة، لكنه يمارس سلطة على العمال. وقد يكون موظفًا من الناحية القانونية، لكنه يؤدي دورًا إداريًا يجعله مختلفًا عن العامل الذي يخضع لقراراته.

وبذلك حاول رايت تجاوز التصنيف البسيط للطبقات، من دون التخلي عن فكرة أن الملكية والسلطة والسيطرة على العمل تظل عناصر أساسية لفهم المجتمع.

من يملك ومن يسيطر؟

ركز رايت على التمييز بين الملكية والسيطرة.

فامتلاك رأس المال ليس الشكل الوحيد للسلطة الاقتصادية، لأن هناك أشخاصًا لا يمتلكون الشركات لكنهم يملكون سلطة واسعة داخل عملية الإنتاج.

وهناك أيضًا من يمتلك المعرفة والخبرة التي تمنحه نفوذًا في سوق العمل.

ولهذا فإن تحليل الطبقات في المجتمع الحديث يحتاج إلى النظر إلى ثلاثة أبعاد رئيسية:

الملكية، والسلطة، والمعرفة.

ومن خلال هذه الأبعاد حاول رايت أن يقدم صورة أكثر تعقيدًا للمجتمع الرأسمالي الحديث.

لماذا لا تكفي الثورة؟

ربما كانت أهم نقاط الاختلاف بين رايت وبعض التقاليد الثورية القديمة هي موقفه من التغيير.

فهو لم يعتقد أن الحل الوحيد هو انتظار لحظة ثورية واحدة يتم فيها إسقاط النظام وبناء نظام جديد من فوق.

بل رأى أن المجتمعات يمكن أن تتغير من خلال بناء مؤسسات بديلة داخل المجتمع نفسه.

وهنا ظهرت فكرته الشهيرة حول البدائل الواقعية.

فالبديل بالنسبة إليه لا ينبغي أن يكون مجرد تصور مثالي لمجتمع مستقبلي، وإنما مؤسسة أو ممارسة يمكن أن توجد بالفعل، وتقدم طريقة مختلفة لتنظيم الاقتصاد أو السلطة أو الملكية.

ومن هنا بدأ اهتمامه بالتعاونيات والملكية الاجتماعية والديمقراطية الاقتصادية وغيرها من التجارب التي يمكن أن تقلل من سيطرة رأس المال وتوسع المشاركة الشعبية.

الاشتراكية من الأسفل

كان رايت يرى أن بناء الاشتراكية يجب ألا يعتمد بالكامل على الدولة.

فإذا أصبحت الدولة هي المالك الوحيد لكل شيء، فقد يؤدي ذلك إلى نشوء بيروقراطية قوية تبعد المواطنين عن عملية اتخاذ القرار.

ولهذا كان يبحث عن نماذج تجمع بين الملكية الاجتماعية والمشاركة الديمقراطية، بحيث لا تكون الدولة وحدها هي التي تدير الاقتصاد، ولا يكون السوق الخاص هو المسيطر الوحيد عليه.

وكان السؤال بالنسبة إليه:كيف يمكن أن تصبح السلطة الاقتصادية أكثر ديمقراطية؟

وهذا السؤال يقود إلى مفهوم الديمقراطية الاقتصادية، أي أن القرارات المتعلقة بالإنتاج والاستثمار والعمل لا ينبغي أن تظل حكرًا على أصحاب رأس المال والإدارة العليا.

البدائل الواقعية

لم يكن رايت يعتقد أن هناك نموذجًا واحدًا جاهزًا للاشتراكية يمكن تطبيقه في كل المجتمعات.

بل كان يرى أن البدائل يمكن أن تكون متعددة، وأن بعضها يمكن أن يعمل داخل النظام الرأسمالي نفسه، ثم يتوسع تدريجيًا ويغير ميزان القوى.

فالتعاونية العمالية، مثلًا، يمكن أن تقدم نموذجًا مختلفًا للملكية.

والمؤسسات العامة الديمقراطية يمكن أن تقدم نموذجًا مختلفًا لإدارة الخدمات.

والضمان الاجتماعي يمكن أن يقلل من اعتماد الإنسان الكامل على السوق.

والتنظيم الديمقراطي لمكان العمل يمكن أن يوسع سلطة العاملين.

هذه الإجراءات قد تبدو محدودة إذا نظرنا إليها منفردة، لكنها في تصور رايت يمكن أن تصبح أجزاء من تحول أوسع إذا ارتبطت بمشروع اجتماعي وسياسي واضح.

تجاوز الرأسمالية أم إصلاحها؟

هنا يظهر السؤال الأكثر إثارة في فكر رايت.

هل المطلوب إصلاح الرأسمالية أم تجاوزها؟

كان رايت يرى أن الاختيار بين الاثنين ليس بالبساطة التي تبدو عليها المسألة.

فالإصلاحات الاجتماعية يمكن أن تحسن حياة الناس، لكنها قد لا تغير البنية الأساسية التي تنتج عدم المساواة.

وفي المقابل، فإن الدعوة إلى إسقاط النظام بالكامل دون امتلاك مؤسسات بديلة قادرة على إدارة المجتمع قد تؤدي إلى نتائج خطيرة.

ولهذا كان يبحث عن طريق ثالث:

بناء البديل تدريجيًا داخل المجتمع، وتوسيع مساحته، وتقوية المؤسسات التي تعمل وفق مبادئ مختلفة عن منطق الربح والسيطرة الخاصة.

وهنا تتحول الاشتراكية من مجرد هدف بعيد إلى عملية مستمرة لبناء مؤسسات جديدة.

زر الذهاب إلى الأعلى