كريم مروة: هل يستطيع اليسار أن يتجدد دون أن يفقد هويته؟

بقلم: سمير سليم
إذا كان مهدي عامل قد حاول أن يطور الماركسية من خلال فهم المجتمع العربي داخل علاقته بالاستعمار والرأسمالية، فإن كريم مروة يدخل بنا إلى سؤال مختلف.
ماذا يحدث لليسار عندما تتغير الظروف التاريخية التي نشأ فيها؟
وماذا يحدث للماركسية عندما ينهار النموذج الذي ظل لعقود يمثل الدولة الاشتراكية الكبرى؟
وهل يستطيع اليسار أن يراجع تجربته دون أن يتحول النقد إلى تخلي كامل عن أفكاره؟
هذه الأسئلة أصبحت مركزية في تجربة كريم مروة.
فهو لم يكن مراقبًا من خارج الحركة الشيوعية.
بل كان جزءًا منها عاش تجربتها من الداخل، وتولى مواقع قيادية في الحزب الشيوعي اللبناني، ثم خاض لاحقًا عملية مراجعة فكرية وسياسية واسعة للتجربة الشيوعية ولأشكال العمل السياسي التي حكمت اليسار لعقود.
ولهذا فإن أهمية كريم مروة لا تكمن فقط في ما قاله عن الماركسية، وإنما في رحلته الفكرية نفسها.
من داخل الحركة الشيوعية
ولد كريم مروة في لبنان عام 1930، وانخرط منذ شبابه في الحركة الشيوعية اللبنانية.
كانت تلك مرحلة مختلفة تمامًا.
كان العالم يعيش صراعًا حادًا بين الرأسمالية والاشتراكية.
وكان الاتحاد السوفيتي يمثل بالنسبة إلى قطاعات واسعة من اليسار العالمي تجربة تاريخية كبرى.
وفي العالم العربي كانت الأحزاب الشيوعية تعمل في ظروف شديدة التعقيد، بين الاستعمار والصراع الوطني والصراع الطبقي والأنظمة السياسية المختلفة.
داخل هذا السياق تشكلت تجربة مروة.
ولذلك فإن نقده اللاحق للتجربة الشيوعية لم يكن نقدًا خارجيًا.
كان نقد شخص عاش التجربة من الداخل وعرف نقاط قوتها وضعفها.
الإيمان بالعدالة الاجتماعية
حتى مع المراجعات التي قام بها، لم يتخل كريم مروة عن السؤال الأساسي الذي دفعه إلى اليسار:
كيف يمكن بناء مجتمع أكثر عدلًا؟
وهذا مهم جدًا.
فالمراجعة الفكرية عنده لم تكن مجرد إعلان وفاة للأفكار الاشتراكية.
بل كانت محاولة للفصل بين المبادئ التي يرى أنها لا تزال ضرورية وبين النماذج السياسية التي أثبت التاريخ حدودها.
فالعدالة الاجتماعية لا تختفي لأن تجربة سياسية فشلت.
والفقر وعدم المساواة والاستغلال لا تنتهي بمجرد إعلان انتصار الرأسمالية.
ومن هنا ظل مروة يرى أن لليسار وظيفة تاريخية، ولكن ليس بالضرورة بالشكل الذي عرفه القرن العشرون.
سقوط الاتحاد السوفيتي
كان انهيار الاتحاد السوفيتي لحظة فاصلة بالنسبة إلى اليسار العالمي.
فلم يسقط نظام سياسي فقط.
بل انهار النموذج الذي استندت إليه أحزاب شيوعية كثيرة في رؤيتها للعالم.
وبالنسبة إلى كريم مروة كان هذا الانهيار فرصة لإعادة التفكير في أسئلة أساسية.
هل كانت الاشتراكية مرتبطة بالضرورة بالدولة السوفيتية؟
هل الحزب الواحد هو الطريق الوحيد لبناء مجتمع اشتراكي؟
هل التخطيط المركزي الكامل قادر على إدارة اقتصاد حديث؟
وهل يمكن بناء الاشتراكية من دون ديمقراطية؟
هذه الأسئلة أصبحت في قلب المراجعة.
نقد الجمود العقائدي
من أهم ما ميز تجربة كريم مروة رفضه لتحويل الماركسية إلى عقيدة مغلقة.
فالواقع يتغير.
والأحزاب تتغير.
والطبقات تتغير.
والاقتصاد يتغير.
والتكنولوجيا تغير شكل العمل. وبالتالي فإن اليسار الذي يكرر نفس الشعارات التي كانت مناسبة لظروف القرن العشرين قد يصبح منفصلًا عن المجتمع.
وهنا يلتقي مروة مع محمود أمين العالم في نقطة مهمة:الماركسية تحتاج إلى التجديد إذا أرادت أن تظل أداة لفهم الواقع.
لكن مروة يضيف سؤالًا آخر:كيف يمكن لهذا التجديد أن يتحول إلى مشروع سياسي؟
الماركسية والديمقراطية
هنا تظهر واحدة من أهم القضايا في تجربة كريم مروة.
فالمراجعة الحقيقية للتجربة الاشتراكية لا يمكن أن تتجنب مسألة الديمقراطية.
إذا كان الهدف هو تحرير الإنسان من الاستغلال، فكيف يمكن تحقيق ذلك من خلال نظام سياسي يصادر التعددية السياسية أو يضع المجتمع تحت سيطرة حزب واحد؟
هذه ليست مسألة هامشية.
إنها سؤال جوهري حول معنى الاشتراكية نفسها.
ولهذا اتجه مروة إلى التأكيد على ضرورة الجمع بين العدالة الاجتماعية والديمقراطية السياسية.
فالاشتراكية التي لا تعترف بحقوق الإنسان والحريات السياسية تصبح مهددة بالتحول إلى نظام سلطوي.
وفي المقابل فإن الديمقراطية التي لا تواجه التفاوت الاقتصادي قد تتحول إلى ديمقراطية سياسية محدودة التأثير في حياة الناس.
ومن هنا تصبح المهمة هي البحث عن علاقة جديدة بين:
الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
من الطبقة العاملة إلى المجتمع كله
واجه اليسار أيضًا تغيرًا كبيرًا في تركيب المجتمع.
لم تعد الطبقة العاملة الصناعية بالشكل الذي عرفه القرن التاسع عشر هي القوة الاجتماعية الوحيدة التي يمكن أن يحمل عليها اليسار مشروعه.
ظهرت قطاعات واسعة من الموظفين والمهنيين والعاملين في الخدمات وأصحاب الأعمال الصغيرة والشباب والنساء والحركات الاجتماعية.
كما تغيرت طبيعة العمل نفسها.
ولهذا فإن اليسار الذي يحصر نفسه في تعريف ضيق للطبقة العاملة قد يفقد جزءًا كبيرًا من المجتمع.
ومن هنا دعا مروة إلى توسيع قاعدة اليسار والبحث عن تحالفات اجتماعية وسياسية جديدة.
اليسار الجديد
كان مفهوم اليسار الجديد حاضرًا في مشروع كريم مروة.
لكن المقصود لم يكن إنشاء حزب جديد يحمل الاسم نفسه.
بل إعادة تعريف وظيفة اليسار في عالم جديد.
يسار يرفض الرأسمالية عندما تنتج الظلم والتفاوت والاستغلال.
لكنه في الوقت نفسه يرفض الاستبداد باسم الاشتراكية.
يسار يدافع عن العدالة الاجتماعية.
ويؤمن بالديمقراطية.
ويتعامل مع حقوق الإنسان باعتبارها جزءًا من المشروع الاجتماعي وليس قضية منفصلة عنه.
ويحاول بناء تحالفات واسعة بدل الانغلاق داخل تنظيمات صغيرة.
ماذا بقي من ماركس؟
لم يتعامل مروة مع ماركس باعتباره اسمًا يجب الدفاع عنه مهما تغير العالم.
السؤال بالنسبة إليه هو:
ما الذي يبقى صالحًا من أدوات ماركس لفهم الرأسمالية؟
تحليل الاستغلال؟
فهم تراكم رأس المال؟
نقد التفاوت؟
دراسة علاقة العمل برأس المال؟
هذه الأسئلة لم تختفِ.
لكن بعض الاستنتاجات السياسية التي بنيت عليها تجارب القرن العشرين تحتاج إلى مراجعة.
وهنا يظهر الفرق بين ماركس كنظرية نقدية للرأسمالية وبين التجارب السياسية التي رفعت اسمه.
الرأسمالية بعد سقوط الاشتراكية
أثبت التاريخ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي أن الرأسمالية لم تتوقف عن التطور.
بل دخلت مرحلة جديدة.
العولمة توسعت.
والشركات العابرة للحدود أصبحت أكثر قوة.
والقطاع المالي تضخم.
والتكنولوجيا غيرت طبيعة الإنتاج.
والعمل نفسه تغير.
وفي الوقت نفسه ظهرت أزمات جديدة.
الأزمة المالية العالمية.
التفاوت المتزايد.
الأزمات البيئية.
أزمة السكن.
أزمات العمل.
وهنا يصبح السؤال الذي طرحه كريم مروة أكثر أهمية:
إذا كانت الرأسمالية لم تكن نهاية التاريخ، فما الشكل الجديد لليسار الذي يستطيع نقدها؟
هل يمكن بناء اشتراكية ديمقراطية؟
ربما تكون هذه واحدة من أهم الأسئلة التي تفتحها تجربة مروة.
الاشتراكية ليست بالضرورة مساوية للدولة الشمولية.
والديمقراطية ليست بالضرورة مساوية للرأسمالية.
يمكن نظريًا أن يجتمع السعي إلى العدالة الاجتماعية مع التعددية السياسية وحقوق الإنسان.
لكن المشكلة ليست في صياغة الفكرة.
المشكلة هي كيف تتحول إلى مؤسسات وسياسات واقتصاد قادر على العمل.
وهنا تظهر الحاجة إلى تجاوز الشعارات.
فاليسار يحتاج إلى تصور واضح للملكية والإنتاج والضرائب والتعليم والصحة والعمل والبيئة والديمقراطية الاقتصادية.
وهذا ما يجعل مشروع التجديد أكثر صعوبة من مجرد نقد الماضي.
نقد التجربة لا يعني التخلي عن اليسار
هذه نقطة أساسية في تجربة كريم مروة.
يمكن أن تنتقد الاتحاد السوفيتي دون أن تتحول إلى مدافع عن الرأسمالية.
ويمكن أن ترفض الحزب الواحد دون أن ترفض العدالة الاجتماعية.
ويمكن أن تنتقد التخطيط المركزي دون أن تؤمن بأن السوق يجب أن يحكم كل شيء.
ويمكن أن تدافع عن الديمقراطية دون أن تتخلى عن نقد التفاوت الطبقي.
وهذا هو الطريق الثالث الذي حاول مروة أن يفتح النقاش حوله.
كريم مروة والواقع العربي
لا يمكن فهم مشروعه بعيدًا عن العالم العربي.
فاليسار العربي واجه مشكلات خاصة.
الاستعمار.
الاستبداد.
الطائفية.
التفاوت الاجتماعي.
ضعف التصنيع.
التبعية الاقتصادية.
الحروب.
والصراع العربي الإسرائيلي.
ولهذا فإن إعادة بناء اليسار العربي لا يمكن أن تكون مجرد نسخة من التجارب الأوروبية.
كما لا يمكن أن تكون عودة إلى النموذج السوفيتي.
إنها تحتاج إلى قراءة الواقع العربي نفسه.
وهنا يصبح كريم مروة امتدادًا طبيعيًا للنقاش الذي فتحناه مع محمود أمين العالم ومهدي عامل.
ما الذي يميز كريم مروة؟
إذا كان مهدي عامل حاول أن يجيب عن سؤال:
كيف نفهم المجتمع العربي داخل الرأسمالية والاستعمار؟
فإن كريم مروة يضيف:
كيف نبني يسارًا قادرًا على العمل داخل عالم تغيرت فيه الرأسمالية وتغيرت فيه المجتمعات وتغيرت فيه التجارب الاشتراكية؟
وهذا فارق مهم.
عامل كان أكثر تركيزًا على بناء الأدوات النظرية.
أما مروة فكان أكثر انشغالًا بالمراجعة السياسية والتنظيمية والفكرية لليسار.
ولهذا فإن الاثنين يكمل أحدهما الآخر.
هل فقد اليسار هويته عندما تغير؟
هذا هو السؤال الأصعب.
هناك من يرى أن أي يسار يتخلى عن المفاهيم التقليدية للماركسية يفقد هويته.
وهناك من يرى أن التمسك بها كما كانت يؤدي إلى العزلة والانقراض السياسي.
أما تجربة مروة فتفتح طريقًا ثالثًا:
الهوية ليست تكرار الماضي.
يمكن أن يحتفظ اليسار بجوهر مشروعه في العدالة الاجتماعية ومواجهة الاستغلال والتفاوت، بينما يغير أدواته السياسية والفكرية بما يتناسب مع العصر.
وهذا يعني أن التجديد ليس خيانة للهوية.
بل ربما يكون شرطًا لبقائها.
حدود مشروع كريم مروة
لكن تجربة مروة ليست بلا مشكلات.
فالسؤال عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية أسهل من الإجابة عن كيفية الجمع بينهما في الواقع.
كما أن الدعوة إلى يسار واسع ومتعدد قد تفتح مشكلة أخرى:
كيف يحافظ اليسار على هويته عندما يدخل في تحالفات سياسية واسعة؟
وكيف يوازن بين الإصلاح داخل النظام وبين السعي إلى تغييره؟
وكيف يمنع نفسه من التحول إلى مجرد نسخة أكثر عدالة من الليبرالية؟
هذه الأسئلة تظل مفتوحة.
كما أن العالم بعد الأزمة المالية العالمية وصعود الصين والثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي يفرض أسئلة لم تكن موجودة بالصيغة نفسها عندما بدأ مروة مراجعاته.
كريم مروة ليس مهما لأنه قدم إجابة نهائية عن مستقبل اليسار.
أهميته أنه رفض فكرة الإجابة النهائية أصلًا.
لقد عاش تجربة الشيوعية من الداخل.
ورأى قوتها وضعفها.
وعايش صعود الاتحاد السوفيتي ثم انهياره.
وشاهد كيف أعادت الرأسمالية تنظيم نفسها.
ثم حاول أن يسأل:
ماذا يمكن أن يبقى من اليسار بعد كل ذلك؟
وكان جوابه الأساسي أن العدالة الاجتماعية لا تموت بسقوط نظام سياسي، وأن الديمقراطية لا ينبغي أن تكون حكرًا على الليبرالية، وأن اليسار إذا أراد أن يستمر فعليه أن يعيد التفكير في نفسه.
لا يمكن أن يعود إلى الماضي.
ولا يمكن أن يذوب في الحاضر.
بل عليه أن يبحث عن طريق جديد.
وهنا تتقاطع تجربة كريم مروة مع الأسئلة الكبرى التي تحاول سلسلتنا تتبعها:
محمود أمين العالم سأل كيف يمكن تجديد الماركسية لفهم الواقع العربي.
فؤاد مرسي سأل كيف استطاعت الرأسمالية أن تجدد نفسها.
مهدي عامل حاول بناء أدوات لفهم المجتمع العربي داخل النظام الرأسمالي والاستعماري.
أما كريم مروة فطرح السؤال السياسي الذي يأتي بعد كل ذلك:
إذا تغير العالم وتغيرت الرأسمالية وفشلت نماذج اشتراكية سابقة، فكيف يستطيع اليسار أن يعيد بناء نفسه دون أن يتخلى عن هدف العدالة الاجتماعية؟
وربما تكون الإجابة الأهم التي تتركها تجربته أن اليسار الذي يخاف من مراجعة أفكاره محكوم عليه بالجمود، واليسار الذي يتخلى عن جوهر مشروعه محكوم عليه بفقدان هويته.
وبين الجمود والتخلي توجد مساحة ثالثة: التجديد. وهذه المساحة هي التي تجعل تجربة كريم مروة جديرة بالقراءة والنقاش اليوم.
