الشعراء الروائيون.. اللغة الشعرية ودورها في بناء العوالم وحركة الشخصيات

أحمد عبد الحافظ
يطرح الناقد المصري “العربي عبد الوهاب” مجموعة من الأعمال الروائية التي كتبها شعراء مصريون، من خلال كتابه “الشعراء الروائيون.. قراءات نقدية فى الرواية المصرية” الذي صدر عن دار الربيع للنشر، بهدف البحث وراء تأثير اللغة الشعرية في بناء عوالمهم وحركة شخصياتهم ومدى نجاحهم في القبض على روح العالم والإمساك بتفاصيله العميقة المفرطة في التعقيد.
كتب عبد الوهاب في كتابه الذي قسمه إلى 11 فصلا أن نرجسية اللغة تحبس الكتاب القادمين من مملكة الشعر نحو عوالمها، وتجعلتهم يقومون بعمل مزاوجة بين منجزات الشعر، فى أداء اللغة لتكون قادرة على الطرح المكثف للعبارة، وتبدو تلك الكتابة المزدحمة بعنصر التخييل، والتشعير المتلاحق للواقع واضحة فى طرح الشاعر والروائى صلاح والي، فى رواياته “ليلة عاشوراء”، و”السلام عليكم”، و”نقيق الضفدع”، و”ذكريات المستقبل”، وقد تعددت في روايته “عائشة الخياطة” مستوياتها الشعرية والحوارية، وجاءت ثرية متفجرة ودالة، قدم من خلالها طرحا فريدا ومتميزا لخصوصية المكان والشخوص والعوالم العجائبية التي تزخر بها القرى، وسعى لاعادة إنتاج حكاياتها الشعبية والأسطورية مشكلا أسطورته الخاصة فى بناء روائى متميز.

مستويات اللغة
ذكر عبد الوهاب أن اللغة فى “عائشة الخياطة” ذات مستويات سردية متنوعة، تميزت بطابع شعرى يعتمد على المجازى والكنائى، وتمكن من خلالها والي من احتواء الغموض الذى يكتنف عالم الرواية، وقد تنوعت بين لغة شعرية تعتمد على المجاز، وتعمل على تشعير القرية بكائناتها ومفردات عالمها من إنسان وحيوان ونبات وطير وموجودات غير حية تبث الحياة فى روحها وتشكل معظم الوحدات السردية وتخدم السياق السردى بتوليد الأسطورة وحكايات الجن والغوص فى أعماق المجهول والشخوص وما خفي فى المناطق الشعورية الغائرة في أرواحهم، وبين لغة حوارية جاءت كلغة ثالثة تمزج بين الثقافة الشعبية للشخصيات بعبارات ومفردات عامية قريبة من الوجدان القروى وبين الأداء الفصيح، وقد تميزت بقدرتها على عكس ثقافة الشخوص وبلورة ما يموج بعوالمهم الداخلية نفسيا وكشف شفرات البنية الأسطورية.
أما عن اللغة الشعرية ذات الطابع الأسطورى التي اعتمدها والي على نطاق واسع في رواياته فقد حققت السياق الخاص بالحلول وامتزجت بلغة صوفية غاصت فى روح القرى وفى مكنونات ذوات شخصياتها، وحلَّت بها، وسردت ما خفي عن القوى المحركة الغيبية، وتعكس تلك اللغة على قدر وضوحها عبر مستوياتها المتعددة كثافة الشعر وسلاسة السرد، وقد صهرها الوعي الجمعي فى نار العشق فجاءت صافية وشفيفة ورائقة.
وأشار عبد الوهاب إلى أن شاعرية اللغة تحف في بعض روايات والي، لتفسح المجال لشاعرية العالم التي تبدو بوضوح من خلال المنظور الروائى لبناء الشخصيات فى روايته “فتنة الأسر” التى أهداها الى سعاد حسنى، وروايتي”الرعية”، و”الجميل الأخير”.
وهناك شعراء روائيون قدموا روايات قليلة بجانب مشروعهم الشعرى الأساس، مثل الشاعر مختار عيسى، والشاعر على عطا، بالاضافة الى شعراء لم تتضح نواياهم فى الاستمرار أم المرور لمامًا، مثل الشاعر محمد سليم الديب، أما الشاعر سمير الفيل، فقد طغى مشروعه السردى على الشعرى، منذ البداية وهو يكتب بالتزامن سردًا وشعرًا.
وعلى الجانب الآخر سيطر المشروع الروائي السردي عند الشاعر هشام فياض على إنتاجيته الشعرية، أما الشاعر أحمد سامي خاطر، فقد قدم تجربتين متباعدتين بينهما تباين واضح، فى رواية براء الخاطري وهي التجربة الأولى له، تبدو وكأنها مولودة من رحم الشعر، وتحمل قسماته، أما الثانية فهي تجربة سردية جادة، تمكنت من اجتراح أرض جديدة، والاعتماد على آليات السرد الروائى بشكل عميق فى رواية “جس المالح”، إلا أننا نلاحظ غلبة الشعر والمسرح على الرواية، من خلال رصدنا لأعماله المنشورة حتى الآن، وتقدم رواية الدكتور محمود عبدالحفيظ صورة مفارقة تجمع بين الزمن التاريخى والزمن السردى، فى لوحة تنضح بالشاعرية والمرارة من خلال تقاطعات زمنية وتداعيات وتأملات العريف عرفان إبان فترة اللاسلم واللاحرب.
وتظل المراوحة والمزاوجة بين الشعر والسرد باقية، كلاهما يفيدان من منجزيهما، ويضيفان للابداع آفاقا ورؤى أكثر رحابة ومتعة.
فى رواية “عرق الجدران” يوكل مؤلفها الدكتور كارم محمود عزيز مهام عملية السرد لراوٍ يتحرك فى مساحة زمنية ممتدة بين زمن متاح لصبى يافع تفتحت عيناه على الأناشيد الوطنية، والوحدة العربية، والحلم الناصرى، وصولا لتقويضه مع النكسة، وانحساره مع الانفتاح، وما تلاه، وباستخدام عمليات التذكر والاسترجاع، عبر منولوجات داخلية قصيرة، ويدفع الراوي الأحداث، ويجعل منها محركاً لخلق بنية سردية درامية، وهكذا تظل الذاكرة قادرة على النبش فى ذلك المدى الزمنى، المستتر بقناع الإشارات التاريخية لكل من الوحدة العربية، والنكسة، ومقاومة السويس، والتهجير، وحرب أكتوبر، والانفتاح، ونهوض الغابات الاسمنتية.
الأمكنة والتخييل في الرواية
لفت عبد الوهاب أن الأمكنة بشخوصها، وعوالمها، وحنينها الدافق في الرواية تدخل في مشاركة تفاعلية مع الذات المعبرة عن رحلة البطل/ الكاتب، منذ صباه، وحتى زمنه المعاصر.
أما عن التخييل الذى اعتمده عزيز فقد جاء كحيلة فنية، لخلق عالم روائى، ورغبة عميقة غايتها التعبير عن عواطف جماعة المثقفين وحنينهم لماض وعالم حقيقى، ضاع ونهض بديلا عنه عالم آخر جارح، ومتردٍّ، وشائه.
وفي سياق الأحداث يبحث الرواي عن ذاته بين الجدران، وتنز الحكايات من عروقها، وهو يبحث فى تاريخه، وعلاقاته، ويستعيد رحيق الأماكن، منذ انطلاق أناشيد الوحدة العربية، ونقراته على الاكسيليفون، فى طابور الصباح، مرورا بالأحداث الدامية فى السويس إبان سقوط المدينة تحت نيران القصف، ثم التهجير، لتستفيق طفولته النابضة على مراهقة مكتوية بوهج عشق يغازل الموت، وموت يغازل واقعا فقد قدرته فى المحافظة على خصوصيته، وقد شكلت الطائرات بأزيزها المرعب فى فضاء المدينة التى عايشها ذلك الصبى اليافع أثناء زيارته العائلية روح المقاومة لديه وجعلته يعانق الموت، ليواجه بعد خمسين عاما موتا بطيئا بمشاهداته المتأنية لأحوال الجدران التي تشكلت منها عوالمه القديمة.
السمات الفنية في البنية السردية للرواية
أما عن أهم السمات الفنية التى تجذرت فى البنية السردية للرواية فقد تجلت في تحول الأصوات من المخاطب للأنا ومن الأنا للمخاطب فى حالة من الاسترسال الدائرى، حيث يفضي كل طرف إلى الآخر، وبالعكس.
أما عن التنوع فى استخدام ضمائر الخطاب فقد أتاح مساحة لتعدد وجهات النظر، وساعد على إنتاج رؤية خاصة لكل قارئ، وقد اعتمد فى تبديل الضمائر على تقنية القناع، فالراوى صنو الكاتب، والأنا والمخاطب هما نفسهما ذلك الصبى اليافع منذ خمسين عاما، عندما يستملح الذكريات، يفضي بضمير “الأنا” المتعبة المحزونة، وحينما يصل إلى نقاط خلافية مع أناه يتحول إلى ضمير المخاطب، لائما إياها على تقصير ما كأنه يسعى بلا توقف لاستعادة زمن مفارق يستحيل عودته.
يذكر أن العربي عبد الوهاب يكتب القصة القصيرة والرواية، والنقد الأدبى، أصدر ثلاث مجموعات قصصية هي “عـزَّاف النار”، و”أربع نخلات”، و”باتجاه مصادفة ما”، وروايتان “لأنهم يموتون فى الربيع” و”خليج الطبالة”، كما قدم العديد من الإصدارات النقدية منها “ألحــان ومرايا” قراءات فى القصيدة العربية الحديثة، و”نبوءة النـــص”، و”الرواية والقرية”.
لمزيد من الأخبار زوروا موقعنا: الوسط العربي وللتواصل الاجتماعي تابعنا على فيسبوك الوسط العربي