قراءة في السياسات السعودية حول استقطاب الكفاءات لتحقيق النمو الاقتصادي في رؤية 2030

تقرير: علي عبد الجواد
بعد 5 سنوات من التأسيس، شهد عام 2024 تاريخًا فارقًا في مسار مركز الإقامة المميزة بالمملكة العربية السعودية، حيث شهد إصدار 5 منتجات جديدة تستهدف فئات نوعية، تمتلك قيمة مضافة تعزز من اقتصاد المملكة وتساهم في تحقيق مستهدفات رؤية 2030.
وقد تضمنت هذه المنتجات حزمة من المزايا والتسهيلات، تجعل من المملكة مقصدًا مهما للمبدعين والكفاءات ورواد الأعمال، حيث توفر لحاملها العديد من المزايا، مثل منح الإقامة لأفراد أسرته، ومزاولة الأعمال التجارية، والإعفاء من المقابل المالي للوافدين ومرافقيهم، وكذلك التنقل من المملكة وإليها من دون تأشيرة، وتملُك العقارات، وسهولة الانتقال بين المنشآت من دون رسوم، واستضافة الأقارب ودعوتهم.
ويندرج نظام الإقامة المميزة، خاصة منتجاته الخمس الأخيرة، ضمن هدف “استقطاب الكفاءات المطلوبة لتسريع تحقيق معدل النمو الاقتصادي المنشود”، وهو أحد أهداف “رؤية المملكة 2030″، كما أنه يأتي في إطار تنفيذ أحد مستهدفات “رؤية 2030” المتمثل في “تهيئة البيئة الجاذبة التي يمكن من خلالها استثمار كفاءاتنا البشرية واستقطاب أفضل العقول في العالم للعيش على أرضنا، وتوفير كل الإمكانات التي يمكن أن يحتاجوا إليها، بما يسهم في دفع عجلة التنمية وجذب المزيد من الاستثمارات”.
نظرة على المنتجات الجديدة للإقامة المميزة في السعوية:
كشفت المملكة عن خمسة منتجات جديدة للإقامة المميزة تهدف إلى استقطاب الكفاءات والمواهب والمستثمرين ورواد الأعمال وملاك العقار، ويمكن الإشارة إليها في التالي:

1ـ إقامة الكفاءة الاستثنائية:
• تستهدف الكفاءات العلمية، والإدارية، والبحثية ذات القدرات والخبرات المتميزة.
• تتميز بالحصول على إقامة مميزة دائمة عند استيفاء الشروط والإعفاء من برنامج نطاقات.

• توفر إقامة محددة لخمس سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة بمقابل 4 آلاف ريال.
• تتيح إقامة دائمة عند استمرار استيفاء معايير أهلية المنتج والإقامة في المملكة لمدة 30 شهرًا خلال 5 سنوات.
2 ـ إقامة الموهبة:
• تستهدف المواهب والمتخصصين في المجالات الرياضية، الثقافية، والفنية.
• تتميز بالحصول على إقامة مميزة دائمة عند استيفاء الشروط والإعفاء من برنامج نطاقات.

• توفر إقامة محددة لخمس سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة بمقابل 4 آلاف ريال.
• تتيح إقامة دائمة عند استمرار استيفاء معايير أهلية المنتج والإقامة في المملكة لمدة 30 شهرًا خلال 5 سنوات.
3ـ إقامة مستثمر أعمال:
• تدعم المستثمرين الراغبين في الاستثمار بالأنشطة الاقتصادية.

• تتميز بالحصول على إقامة مميزة دائمة مباشرةً عند ضخ 7 ملايين ريال واستحداث 10 وظائف خلال العامين الأولَين.
4 ـ إقامة رائد أعمال:
• تستهدف رواد الأعمال والمبتكرين وأصحاب الشركات الناشئة.
• تنقسم إلى فئتين حسب الملاءة المادية للمشروع.
• تتميز بترشيح شخصين من فريق العمل للحصول على إقامة الكفاءة الاستثنائية والإعفاء من معاييرها، وإعفاء المنشأة من برنامج نطاقات لأول 3 سنوات تشغيلية.

• توفر إقامة محددة لخمس سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة للفئة الأولى بمقابل 4 آلاف ريال.
• تمنح إقامة دائمة مباشرةً للفئة الثانية بشرط استحداث 10 وظائف على الأقل للعام الأول و10 وظائف على الأقل للعام الثاني.
5 ـ إقامة مالك عقار:
• تستهدف الراغبين في امتلاك عقار بهدف الاستقرار في المملكة.

• توفر فترة إقامة مرتبطة بامتلاك العقار أو الانتفاع به، على ألا تقل قيمته عن 4 ملايين ريال.
• المستفيدين وفلسفة المنتجات الجديدة للمركز
عكست المنتجات الجديدة التي أطلقها مركز الإقامة المميزة، نقلة نوعية ليس فقط من حيث الكم، وإنما، وهذا هو الأهم، شكلت تطورًا لافتًا في منهجية العمل ونوعية الفئات المستهدفة والمدى الواسع للمزايا والتسهيلات الممنوحة، وهو ما يمكن توضيحه في النقاط الآتية:
استهدف المركز في البداية الفئات التي ترغب في الاستقرار بالمملكة، سواء بشكل دائم أو لفترات طويلة، وذلك من خلال منتجين، هما: الإقامة المميزة محددة المدة، والإقامة المميزة غير محددة المدة (دائمة).
لم تكن هناك شروط أو متطلبات للحصول على هذين المنتجين تتعلق بالكفاءة أو المهارات الشخصية، وإنما اقتصر الأمر على “الملاءة المالية” للشخص، دون أن يعني ذلك أن هذه الفئة تخلو من المبدعين أو المستثمرين، وإنما لم يكن هذا مستهدفًا لذاته، فالأمر كان يتعلق بجذب “الراغبين في الاستقرار” بالمملكة، وليس من ترغب المملكة في اجتذابهم.
مع المنتجات الجديدة تطورات رؤية المركز، حيث لم تعد تقتصر على استهداف “الراغبين” بل امتدت إلى جذب “المرغوب فيهم”، وأصبح هؤلاء هم الفئة الأساسية التي ينصب عليها عمل المركز، عبر 5 منتجات جرى صياغة متطلباتها بعناية، وبالتعاون مع الشركاء الاستراتيجيين لمركز الإقامة المميزة من الجهات الحكومية، بحيث تضم مروحة واسعة من ذوي الطاقات الخلاقة وأصحاب المشاريع والأفكار الطموحة، لتدعيم أركان اقتصاد المعرفة في المملكة.
يعكس خفض المقابل المادي للمنتجات الجديدة، ليصبح 4 آلاف ريال مقابل إقامة مدتها 5 سنوات وقابلة للتحويل إلى إقامة دائمة عند استيفاء بعض المتطلبات، نهجًا مرنًا ورؤية بعيدة المدى، فالهدف ليس جني المال السريع، وإنما صناعة المستقبل، وهي صناعة طويلة المدى، قوامها العقول النيرة، وهي سلعة نادرة تحظى بطلب شديد، في ظل تنافس العديد من دول العالم على استقطاب أصحابها.
عبرت المنتجات الجديدة عن رؤية متكاملة للنهضة، فهي لم تقتصر على الكفاءات العلمية والإدارية أو المستثمرين ورواد الأعمال، وإنما شملت كذلك الموهوبين في مختلف المجالات، الفنية والرياضة والثقافية، وهو ما يعكس مستهدفات رؤية 2030 للارتقاء بجودة الحياة في المملكة، ليس فقط من أجل رفاهية مواطنيها، وإنما كذلك من أجل المساهمة الفاعلة في صناعة الحضارة العالمية بمختلف أبعادها.
• السياسات الانفتاحية ورؤية 2030:
وعدت رؤية 2030 التي أعلنها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في 2016، بالعمل على “إيجاد بيئة جاذبة للكفاءات المطلوبة وذلك من خلال تسهيل سبل العيش والعمل”، عبر خطوات بينها “اعتماد نظام فعال وميسّر لإصدار التأشيرات ورخص الإقامة”.
ويكتسب هذا الأمر أهمية مضاعفة في ظل استضافة المملكة لنحو 13.38 مليون أجنبي، يمثلون 41.6 % من إجمالي عدد سكان المملكة البالغ 32.2 مليون نسمة، وفقا لتعدد عام 2023.
كذلك تساعد منتجات الإقامة المميزة الجديدة، في تحقيق أحد مستهدفات رؤية 2030، والمتمثل في زيادة مساهمة الشركات الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي من 20% إلى 35%، وهو هدف آخر يرمي إلى زيادة مساهمة القطاع الخاص في إجمالي الناتج المحلي من 40% إلى 65% وذلك من خلال استقطاب المستثمرين ورواد الأعمال المبتكرين وأصحاب الشركات الناشئة التي أصبحت تشكل رقما مهما في خريطة الاقتصاد العالمي، ونواة للمشروعات العملاقة.
وقد حققت المملكة في السنوات الأخيرة نجاحات مشهودة على هذا الصعيد، حيث شهدت تسجيل أكثر من 1.1 مليون شركة صغيرة ومتوسطة منذ عام 2016، كما تم تقديم أكثر من ملياري ريال لتمويل المبادرات، فيما ارتفع تصنيف اقتصاد المملكة من حيث الناتج الاجمالي من المرتبة العشرين في 2016 إلى المرتبة 17 عالميا في 2022، وارتفعت حصة الصادرات غير النفطية من الناتج الإجمالي غير النفطي من 18.8 % عام 2016 إلى 25 % عام 2022، فيما ارتفعت نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي من 1.01% عام 2017 إلى 4.93% في النصف الأول من عام 2023.
وفي هذا السياق، ينتظر أن يعطي نظام الإقامة المميزة دفعة لأحد أهداف رؤية 2030 والمتمثل في زيادة مساهمة الاستثمار الأجنبي المباشر في إجمالي الناتج المحلي من 3.8% إلى 5.7%، خاصة أن تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى المملكة يشهد نمواً مستمراً في الأعوام الست الماضية، إذ قفز من 27 مليار ريال في 2017 إلى 122 مليار ريال في 2023.
• استنتاجات
رغم أن مركز الإقامة المميزة تم تأسيسه في مطلع عام 2019 إلا أنه لم يُحقق الانطلاقة المنشودة، خاصة في ظل غياب أي إحصائيات عن عدد المستفيدين من خدماته، باستثناء ما أعلنته وسائل إعلام سعودية في نوفمبر 2019، وبعد 6 أشهر من بدء تلقي طلبات الراغبين في الحصول على إقامة مميزة، من أن المركز منح الإقامة المميزة إلى 73 شخصا يمثلون 19 جنسية، وذلك من بين آلاف تقدموا للحصول عليها، هو عدد ضعيف للغاية، ويعكس وتيرة بطيئة للعمل، وتطبيقا متشددًا للمعايير.
تمثل المنتجات الجديدة نقلة نوعية في آلية عمل المركز ومستهدفاته، خاصة أنها جاءت بالتزامن مع إطلاق منصته الإلكترونية الجديدة؛ والتي تهدف لتسهيل وتبسيط إجراءات التقديم على الإقامة المميزة ومتابعة طلبات المتقدمين، عبر حزمة من الخدمات الرقمية المتطورة؛ لضمان تعزيز التواصل المباشر مع المتقدمين من مختلف أنحاء العالم.
يعتمد عمل المركز على التنسيق المستمر مع مختلف القطاعات الحكومية؛ سواء لإنجاز طلبات المتقدمين والتحقق من استكمالها، أو لضمان حصول أصحاب الإقامة المميزة على الخدمات التي يوفرها لهم النظام، وهو ما يجعل النظام بأكمله رهنا بمدى تفاعل هذه القطاعات وسرعة تجاوبها مع المركز أو مع طالبي الإقامة والحاصلين عليها.
تزامن إطلاق المنتجات الجديدة للمركز مع تعديل بعض بنود النظام، للتخفيف من بعض المتطلبات واستيعاب المنتجات الجديدة، وهو ما يعكس رؤية متكاملة لتطوير آلية عمل المركز، بحيث يمكن اعتبار إطلاق هذه المنتجات بمثابة تأسيس جديد للمركز، خاصة أن عملية الإطلاق صاحبها ترويج إعلامي واسع من قبيل القائمين على المركز؛ لشرح طبيعة هذه المنتجات والمزايا التي تتضمنها.
يشكل نظام الإقامة المميزة أحد أدوات تحقيق مستهدفات رؤية 2030، حيث تسهم منتجاتها في تحقيق العديد من أهداف هذه الرؤية، من خلال جذب أفضل العقول في العالم، وتوفير الإمكانات التي تحتاج إليها، بما يسهم في دفع عجلة التنمية وجذب المزيد من الاستثمارات.
يتضمن نظام الإقامة المميزة آلية مرنة للتحرك، من خلال النص صراحة على أن “جميع الشروط (الخاصة بالمنتجات) قابلة للتغيير” وهو أمر محمود إذا سار في طريق التيسير والتكيف مع المستجدات، ولم ينزلق نحو التعقيد أو العبث بالقواعد بلا رابط.
لمزيد من الأخبار زوروا موقعنا: الوسط العربي وللتواصل الاجتماعي تابعنا على فيسبوك الوسط العربي
