الكنز الكاريبي: كيف تتحرك واشنطن وراء ثروات فنزويلا النفطية

كتبت ريم حسن خليل:
منذ بداية القرن الجديد، تتبدل الوجوه في البيت الأبيض، لكنّ الحكاية تبقى نفسها. من الرئيس الأميركي السابق جورج بوش إلى الرئيس الحالي دونالد ترامب، تتغيّر الذرائع بينما تبقى الغاية ثابتة، أن ثروات العالم هي ميدان الصراع، والموارد هي الجائزة الكبرى. مرة تكون الحجة أسلحة دمار شامل، ومرة أخرى مكافحة المخدرات، لكن الطريق يقود في النهاية إلى الهدف ذاته. فأميركا، رغم إنتاجها القياسي للنفط، ما تزال تبحث عمّا ينقصها وهو النفط الثقيل، القادر على تشغيل مصانعها ومعدّاتها الثقيلة. وكل الطرق حاليا تقود إلى فنزويلا، تلك الدولة التي تجلس فوق كنز يتجاوز 300 مليار برميل من النفط، ما يعادل خمس احتياطي العالم. وهنا تحديداً تتقاطع السياسة بالثروة، وتبدأ قصة أخرى من قصص التدخلات الأميركية. وهنا إدارة الرئيس ترامب لا تخوض صراعاً أيديولوجياً بقدر ما تسعى لتغيير النظام في كاراكاس، في محاولة لفتح الطريق أمام موجة خصخصة واسعة تمنح الشركات الأميركية مفاتيح الوصول المباشر إلى موارد فنزويلا الطبيعية. فكما دخلت واشنطن العراق تحت راية “أسلحة الدمار الشامل” وخرجت بعقود نفطية ضخمة، ها هي تعود اليوم للعب الدور نفسه، ولكن بعنوان جديد وهو “محاربة تجّار المخدرات”. وبينما تُرفع هذه الشعارات في العلن، تكشف كلمات الرئيس ترامب في لحظة صراحة نادرة جوهر ما يدور خلف الكواليس حين قال: “نحن نشتري النفط من فنزويلا ونجعل دكتاتوراً غنياً جداً، هل تصدقون هذا؟”.
وهذا المشهد لم يمر مروراً عابراً على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي رأى في التحركات العسكرية الأميركية في البحر الكاريبي أكثر من مجرد استعراض قوة. وفي رسالة موجهة إلى منظمة “أوبك”، حذّر من أن واشنطن تسعى إلى “الاستيلاء على الاحتياطيات النفطية الهائلة، الأكبر على الكوكب، بالقوة العسكرية الفتاكة”. بالنسبة له، ما يحدث ليس مجرد ضغط سياسي، إنه تهديد مباشر للسلام والأمن والاستقرار، ليس لفنزويلا وحدها، بل للمنطقة والعالم، وضربة محتملة لسوق النفط الدولي برمّته. وهكذا، تتداخل الخيوط بين تصريحات ترامب، وتحركات الجيش الأميركي، واحتياطي فنزويلا النفطي، لتعيد رسم مشهد مألوف في السياسة الدولية، قصة جديدة بوجوه قديمة، وعنوانها الدائم أنّ الثروات هي البوصلة التي لا تخطئها واشنطن، مهما اختلفت المبررات.
وكانت قد شهدت بغداد في عام 2000 زيارة الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز، والتي أثارت صخباً وجدلاً غربياً غريباً بشكل عام وأميركياً بشكل خاص، فقد أشارث الزيارة الى دعم فنزويلي للعراق ضد الحصار المفروض عليه حينها، بوقتها أجرى الرئيس الراحل هوغو تشافيز زيارة مفاجئة إلى بغداد، ليكون أول رئيس دولة يزور العراق منذ فرض العقوبات الدولية بعد أحداث الكويت عام 1990، لقد أتى تشافيز لدعم العراق، معارضاً وكاسراً الحصار المفروض على البلاد بما فيه الحصار الجوي “حظر الطيران” حين أتى بطائرة رئاسية ولم يأتي كالمسؤولين العرب حينها عبر البر من الأردن بعد أن تهبط طائراتهم في مطار الملكة علياء لتجثم فيه حتى عودتهم، وشدد حينها تشافيز على ضرورة كسر الحصار حاثاً بقية الدول لا سيما العربية. خلال زيارته القصيرة، التقى بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي استقبله في مطار بغداد وأجرى له جولة في العاصمة بغداد بسيارته الشخصية، وأشاد حينها بالعلاقات بين الدول المنتجة للنفط ضمن منظمة أوبك، نوعا ما، وحينها دعا الرئيسين لتنسيق السياسة النفطية بين البلدين بشكل خاص. وهذه الزيارة قد حينها اعتبرها البيت الأبيض خطوة ذات منحى خطير وإنها غير رسمية وليست شرعية ومؤيدة للنظام العراقي المعزول دولياً وفق وصف الناطق باسم البيت الأبيض حينها، ومع ذلك بقيت الزيارة علامة بارزة في تاريخ العلاقات العراقية ‑ الفنزويلية، حيث مثلت كسراً جزئياً لعزلة العراق التي لم تأتي من دولة عربية بل من دولة كاريبية، على المستوى الدولي، وأظهرت الزيارة رغبة فنزويلا في التضامن مع العراق سياسياً ودبلوماسياً، بل لقد عُقد بينهما خلال الزيارة حلف نفطي عراقي فنزويلي، وهذا ما أثار جنون أميركا حينها، وعندها حذر الرئيس الراحل صدام حسين صديقه الرئيس تشافيز بأن هناك مخططات صهيونية تحاك في الدول الكاريبية وأمريكا اللاتينية، وصفها حينها بمخططات خبيثة وبالفعل نرى الآن تساقط تلك الدول الواحدة تلو الأخرى في مستنقع اتفاقيات إسحاق مع الكيان الصهيوني.
وبعد احتلال العراق عام 2003 وإعدام رئيسه صدام حسين عام 2006 هل جاء الدور على فنزويلا ورئيسها؟ وهل سيدفع مادورو سليل تشافيز ثمن تحذير الراحل صدام حسين من ضرورة عدم الانخراط بأي مشروع صهيوني في دول أميركا اللاتينية والكاريبي؟ علماً أن الرئيس مادورو من أشد المعارضين لاتفاقيات إسحاق مع الكيان الإسرائيلي؟
