أخبارنحن والغرب

الذراع السرية لواشنطن: جيوش مأجورة تتحرك في الظل بالشرق الأوسط

ماتريوشكا نيوز

في قلب الشرق الأوسط، حيث تتقاطع المصالح وتتشابك الحروب، تولد قوى لا تظهر في نشرات الأخبار، ولا ترفع أعلاماً على أسوار القواعد العسكرية. جيوش خفية، تتحرك بصمت، وتقاتل دون أن تُعلن نفسها، لكنها تحمل في طياتها اليد التي تدير خيوط الصراع من وراء الستار. هذه ليست جيوشاً تقليدية، بل شركات أمنية أميركية خاصة، جيوش مأجورة بصياغة حديثة تحولت تدريجياً إلى الذراع السرية لواشنطن في المنطقة. من العراق إلى ليبيا، ومن اليمن إلى غزة، تمددت هذه الشركات في المساحات التي تراجع عنها الجيش الأميركي، وتسللت إلى قلب المهام التي كانت حكراً على البنتاغون وهي حماية المنشآت، تدريب القوات المحلية، وتنفيذ عمليات دقيقة في عمق المعارك. وبدأ هذا التحول مع الغزو الأميركي للعراق عام 2003 حينها بات الإعتماد على المتعاقدين جزءاً ثابتاً من الإستراتيجية العسكرية. وفي عام 2008 بلغ عددهم 190 ألف متعاقد مقابل 157 ألف جندي نظامي. ومع إعلان الإنسحاب، لم يتراجع دورهم بل تضاعف، وأصبحوا العمود الفقري للوجود الأميركي وتجاوز عددهم في فترات معينة عدد القوات النظامية في العراق وأفغانستان! وخلف هذه الواجهات التجارية يقف محاربون قدامى، ضباط متقاعدون، وعناصر إستخبارات سابقون لكنهم حاليون كذلك، قانونياً هم مرتبطون بالدولة، لكن عملياً يمنحونها ما هو أثمن من القوة المباشرة وهي المرونة والقدرة على التحرك السريع، والعمل في الظل، وتجنّب الكلفة السياسية التي تُثقل القرارات العسكرية التقليدية. وفي اليمن نفذوا عمليات عالية الدقة، وفي ليبيا شاركوا في التخطيط بفرق إغتيالات معقدة، أما في غزة، لم يقتصر دورهم على الحماية اللوجستية بل تسللوا إلى هندسة توزيع المساعدات، وصولاً إلى جمع معلومات ميدانية حساسة، وتخطى دورهم مفهوم الحراسة إلى مفهوم إدارة الصراع. هذه الجيوش المؤجرة ليست مجرد أدوات، بل مشروع نفوذ كامل يُبقي واشنطن حاضرة دون الحاجة إلى رفع علم أو إرسال كتيبة. حضور لا يُرى، لكنه فعّال، يرسّخ السيطرة دون جندي على الأرض. وفي سياق آخر، تملك دول الشرق الأوسط من عناصر القوة ما يفوق ما لدى أوروبا، لكن التفوق العسكري الإسرائيلي المدعوم بلا حدود من الولايات المتحدة الأمريكية يمنح تل أبيب القدرة على فرض واقع جديد، مدفوعاً بالتفوّق العسكري والتقني والمالي. وهكذا، تتحول الشركات الأمنية الأميركية الخاصة إلى أكثر من مجرد متعاقدين. إنها ملامح مستقبل غامض وجه خفي لقوة تتشكل بصمت، وتعيد رسم خريطة النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، بعيداً عن الأضواء وبلا علمٍ يرفرف فوق رؤوس جنودها.

زر الذهاب إلى الأعلى