العرب وافريقياعاجل

انتقائية الأقوياء واستمرارية إحتلال “سبتة ومليلية” المغربيتان

تعيشان مدينتا سبتة ومليلية المغربيتان حالة من الازدواجية الثقافية الغريبة، حيث تنتمي الأرض جغرافياً وثقافياً وتاريخياً لدولة الغرب، لكن علم إسبانيا يرفرف فوقهما، في واحدة من أغرب صور الاحتلال في العالم الحديث. حيث تخضع المدينتين للسيطرة الإسبانية منذ القرن الخامس عشر الميلادى وحتى يومنا هذا فى تحدى لكل القواعد الجغرافية والسياسية والتاريخية والأخلاقية.

 فمنذ احتلالها من قبل البرتغال عام 1415 ثم انتقالها إلى السيطرة الإسبانية في عام 1668، تحولت المدينتان إلى قواعد عسكرية واقتصادية تُستخدم لتثبيت قدم الأوروبيين في إفريقيا. هذه السيطرة تمثل احتلالاً لا يعتمد على القوة العسكرية فقط، بل على شرعية وهمية تغلفها المصالح الجيوسياسية.

والواقع الحالى فإن مستقبل المدينتين معقداً ومفتوحاً على احتمالات متعددة. فرغم تصاعد الدعوات المغربية لاستعادة المدينتين، ومطالبات الشعب المغربي التي لا تهدأ بضمهم للسيادة المغربية يظل الحل مرهوناً بتغير الموازين الدولية. إذا استمر النظام العالمي في الانحياز للقوى الكبرى، فإنَّ الاحتلال قد يطول. 

احتلال سبتة ومليلية ليس مجرد مسألة جغرافية أو تاريخية؛ إنه اختبار للقيم الدولية، وتجسيد لفجوة بين ما يدّعيه العالم من دعم للسيادة، وما يمارسه من انتقائية تخدم الأقوياء. وبينما يحتفل الإسبان بعلمهم الذي يرفرف فوق المدينتين، تبقى الحقيقة أنَّهما ينتميان جغرافياً وثقافيا لدولة أخرى.

وعلى خلفية التوترات بين الدولتين على الجزائريين شهدت العلاقات المغربية الإسبانية تقلبات كبيرة بين التعاون والصراع. حيث تجمع البلدين علاقات جوار معقدة تعود إلى قرون من التاريخ المشترك. وقد عرفت الفترة الممتدة من عام 2004 وإلى غاية عام 2020 نوعا من الانفراج النسبي. 

انفراج تميز بتعاون أمني مكثف في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية والإرهاب. إضافة إلى إقامة شراكة اقتصادية ثنائية، حيث أصبحت إسبانيا أول شريك تجاري للمغرب. فضلا عن الاتفاقيات التمويلية وعلاقات التعاون التي تجمع “مدريد” ب”الرباط” في مجال الصيد البحري.

إلا أن هذا الانفراج النسبي سرعان ما تلاشى مع تفجر توترات خلال الفترة الممتدة ما بين أعوام 2020 و2025. والتي كانت من أبرز محطاتها “أزمة البيدرس” خلال شهر مايو 2021. واستقبال “إسبانيا” “زعيم جبهة البوليساريو” الانفصالية، “إبراهيم غالي” لتلقي العلاج. و”أزمة الهجرة” خلال نفس العام. مع تسجيل تدفق قياسي للمهاجرين نحو مدينة “سبتة” المحتلة. إلا أن هذه التوترات سرعان ما انقضت مع حدوث تحول في الموقف الإسباني اتجاه قضية الصحراء المغربية خلال شهر مارس 2022. وذلك بعد قرار “مدريد” دعم الخطة المغربية للحكم الذاتي بالاقاليم الجنوبية من المملكة المغربية. ليعود النقاش حول “الجزر الجعفرية” ليفجر الأجواء من جديد خلال الفترة الممتدة من عام 2023 وإلى نهاية عام 2024. مع تصاعد النقاش حول السيادة.

السياج القانوني والجغرافي للجزر المتنازع عليها

تبلف مساحة مدينة سبتة 18.5 كم²، ومدينة مليلية 12.3 كم². حيث تعيش في المدينتين غالبية إسبانية مع تسجيل وجود سكاني مغربي كبير. 

لكن إسبانيا تعتبر المدينتين مستقلتين فيما يطالب المغرب باستعادتهما.

أما “الجزر الجعفرية المكونة من ثلاث جزر وهي “كونغريسو”، “إيزابيل الثانية” و”ديل ري” فتقع على بعد أربع كيلومترات من السواحل المغربية. وقد سيطرت عليها “إسبانيا” منذ عام 1848. وتطالب المغرب باستعادتها.

وتقع “جزيرة باديس ” على بعد 200 متر من السواحل المغربية. وقد أصبحت شبه جزيرة بعد زلزال 1930. فيما شهدت “جزيرة ليلى بريخيل” أشهر المواجهات. حيث فجرت أزمة دبلوماسية وعسكرية بين الجانبين عام 2002.

وينظم العلاقات القائمة بين البلدين عدة اتفاقيات ومعاهدات. ضمنها معاهدة تطوان لعام 1860. ذات الصلة بترسيم الحدود بين البلدين. اتفاقية مدريد لعام 1912. المحددة للتقسيم الاستعماري. واتفاقية الصيد البحري لعام 2019. التي تنظم الصيد في المياه الإقليمية.

وتطالب المغرب بحقها في الثغور المحتلة بموجب قرارات الأمم المتحدة حول تصفية الاستعمار. فيما تستند “إسبانيا” على مبدأ الحدود الموروثة فقط.

الوضع الاستراتيجي والعسكري بين البلدين.

يتسم الوضع الاستراتيجي والعسكري بين البلدين بأجواء التصعيد من طرف مدريد والرد المضاد من طرف الرباط.

وفقد عززت إسبانيا تواجدها العسكري. وذلك من خلال تعزيز أسطولها البحري في “مضيق جبل طارق”. مع تركيزها على زوارق المراقبة السريعة من فئة “تورايا”. إضافة لتحديث أنظمة الرادار والمراقبة الساحلية.

أما الرد المغربي فقد جاء سريعا، من خلال تعزيز البحرية الملكية بزوارق حديثة. إضافة لإقامة تعاون عسكري متزايد مع حلفاء جدد. فضلا عن تدشين قاعدة بحرية في الداخلة عام 2023.

وقد فجرت حادثة “السباح المغربي” عام 2024 ووصول سباح مغربي إلى “الجزر الجعفرية” وتسجيل الوثيقة، أجواء الهدوء التي كانت قائمة بين البلدين. حيث كشفت تلك المحطتان عن وجود ثغرات كبيرة في النظام الأمني الإسباني. وهو ما أشعل تصعيدا في الخطاب الإعلامي من الجانبين.

وقد دفعت تلك الأجواء المتوترة إلى جانب الضغط الداخلي الإسباني للقيام بتحركات عسكرية عام 2025. وذلك عبر نشر زورق “إيسلا دي ليون” في المياه الاستراتيجية كرسائل سياسية لتعزيز وجودها الرمزي.

وكانت وزارة الخارجية المغربية قد صرحت في وقت سابق: إن “الوحدة الترابية للمملكة غير قابلة للتجزئة”. فيما أكد “المجلس الوطني لحقوق الإنسان” المغربي: إن “المناطق المحتلة جزء لا يتجزأ من التراب الوطني المغربي”.

في الجهة المقابلة قالت الخارجية الإسبانية: إن “سبتة ومليلية جزء لا يتجزأ من إسبانيا”. فيما قال خبير إسباني في الشؤون الدولية: “نحن ندافع عن الشرعية الدولية”.

اعتبارا لعمق العلاقات التي تربط الجانبين والمصالح المشتركة لكلا البلدين، خاصة من الجهة الإسبانية. فإن هذه التوترات القائمة ستبقى متحكما فيها. عبر تبادل الرسائل السياسية مع الحفاظ على التعاون الاقتصادي. إلا أن خيار ذهاب الجانبين إلى تصعيد محدود. أي مواجهات دبلوماسية مع تحرك دولي لاحتواء الأزمة، تبقى واردة. فيما قد تعيد المفاجآت الاستراتيجية وحدوث تحركات غير متوقعة تعريف موازين القوى. وهو أمر يبقى مستبعدا. فإلى ما يؤشر التصعيد الإسباني الأخير؟ وهل ستشهد العلاقات القائمة المزيد من التوترات؟ أم أن الحضور الاقتصادي ولغة المصالح ستسكت لغة التصعيد والمدافع.

زر الذهاب إلى الأعلى