الهلال الخصيبعاجلملفات

حصان طروادة من يملك “اللجام” في صفقة الغاز الإسرائيلي مع مصر؟

المحرر السياسى 

 أعلن الأربعاء الماضى رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلى بنيامين نتنياهو الموافقة على صفقة الغاز التي وقعتها مصر مع إسرائيل منذ ٦ سنوات بعد أن أوقفت اسرائيل تدفق الغاز بعد شهر واحد من إعلان تعديل اتفاق الغاز فى شهر سبتمبر الماضى على خلفية حرب غزة متذرعًة بانتهاك القاهرة لمعاهدة كامب ديفيد للسلام عبر نشر قوات على الحدود مع إسرائيل، ما أرجعه مصدر مسؤول فى قطاع البترول فى القاهرة إلى رغبة إسرائيل في رفع سعر الغاز المورد بقيمة 3 دولارات لكل مليون وحدة حرارية فوق السعر الحالي.

 تم اتفاق تصدير الغاز الإسرائيلي، في عام 2019، وفق أسعار الصادرات بسعر خام البرنت العالمي، واعتمد تعديل الاتفاق الأخير نفس آلية التسعير مع بعض التعديلات تتعلق بالمراحل المستقبلية من الاتفاق، وحسب تقارير صحفية يصل السعر الحالي للغاز حوالى 7.7 دولار لكل مليون وحدة حرارية.

لكن فى منتصف يونيو الماضي، أوقفت إسرائيل ضخ الغاز لمصر على خلفية تصاعد الصراع العسكري مع إيران، ما ساهم في تعطيل العمل بمصانع الأسمدة المصرية وخلق أزمة فى القطاع الصناعى الداخلى وارتفاع أسعار منتجاتها في السوق المحلية، إلا أن الإمدادات عادت بصورة تدريجية منذ 26 يونيو الماضي.

لكن في أغسطس الماضي، عدلت القاهرة الاتفاق، بإضافة 130 مليار متر مكعب إلى الكميات المتعاقد عليها، ورفع قيمة الإيرادات المتوقعة لاسرائيل إلى 35 مليار دولار، مع تمديد فترة التوريد حتى عام 2040

 وقعت مصر هذه الصفقة وسط وساطة أمريكية بين الدولة المصرية والمسئولين الإسرائيليين .

قبلها في العام 2005 وقعت الحكومة المصرية اتفاقا يقضي بتصدير 1.7 مليار متر مكعب من الغاز المصري لإسرائيل سنويا , و فى 17 ديسمبر الجارى 2025 أعلن بنيامين نتنياهو عن المصادقة رسميا على صفقة تصدير الغاز الطبيعي الإسرائيلي الى مصر بقيمة 35 مليار دولار أمريكي وهي أكبر صفقة غاز في تاريخ قطاع الطاقة الاسرائيلي بما يعني ان إسرائيل تحولت من استيراد الغاز من مصر إلى تصديره لها.

 من ناحية أخرى قدر حجم الاحتياطات من الغاز الطبيعي في حقل كاريش ما بين 1.3 و2 تريليون قدم مكعب , وهو الحقل الذي تنازل عنه لبنان في شهر مايو 2022 لإسرائيل في صفقة ما بين الوسيط الأمريكي هوكشتاين ودولة الرئيس نبيه بري.

 ومن المفارقات أن حقل كاريش وشمال كاريش لم يكن من الممكن أن يقعا في المياه الإسرائيلية لو أصرت لبنان على موقفه فى أكتوبر 2020 بأن حدوده البحرية تمتد لتشمل منطقة حقل كاريش وهو ما تثبت صحته خرائط وإثباتات قرائن كان قد أعدها الطرف اللبناني في حينها . علما ان الإنتاج في هذا الحقل قد بدأ في فبراير 2024 وهو ما مكن اسرائيل من إنجاز الصفقة مع الجانب المصري .

 

طبقا لتصريحات نتنياهو يذهب من قيمة الصفقة ١٨ مليار ظلار مباشرة إلى خزائن دولة الاحتلال، بينما يشكل باقي المبلغ أرباح للشركات المشغلة لحقول الغاز التي يسيطر عليها الاحتلال الإسرائيلي في المتوسط.

 نتنياهو ووزراءه من اليمين المتطرف حاولوا التراجع عن الصفقة، وتعطيلها في مراحل مختلفة من الحرب وبعد الحرب، كنوع من أنواع الضغط علي مصر لكن عدد من العوامل ساهم في الموافقة النهائية، أولهم ضغوط أمريكية بداية من إلغاء وزير الطاقة الأمريكي في أكتوبر الماضى زيارة علنية لإسرائيل بسبب رفض الإسرائيليين الصفقة. 

كان نتنياهو يرغب فى الحصول على ضمانات من مصر أكثر التزامها بمعاهدة كامب ديفيد، وخاصة أنه داخليا كان في كلام كثير من وزراء اليمين المتطرف عن إختراق مصر للمعاهدة بوجود حشود عسكرية في سيناء. 

 

الأهم من ذلك أن الإسرائيليين ومن بداية الحرب حاولوا استخدم الغاز كملف للضغط على مصر للقبول بالتهجير، وظهر هذا بشكل كبير في الانقطاعات المتكررة للتوريد بحجة الصيانة والتي كان يجب علي مصر استغلالها وقتها للجوء للتحكيم الدولي مثل ما فعلت إسرائيل بعد ثورة ٢٥ يناير مباشرة. 

مؤخرا تحركت مصر لتنويع استيراد الغاز، وظهر كلام عن استيراد شحنات كبيرة من الغاز المسال من قطر وهو تحرك اذا استمر من باب تنويع الاعتماد على الغاز من مصادر مختلفة، وزيادة أمن الطاقة المصري. رغم أن موافقة نتنياهو بعد الضغوط الأمريكية لتحقيق مصالح شركاتهم الشريكة في الحقول الاسرائيلية مثل شيفرون وغيرها يمكن تفسره علي أنها انتصار لمصر.

من الرابح الحقيقي فى الصفقة.

أولًا: مكاسب مصر الصفقة

 تعزيز دور مصر كمركز إقليمي لتسييل وتصدير الغاز في شرق المتوسط وتسهم فى تشغيل محطات إدكو ودمياط الغاز بكامل طاقتها بدل تعطّلها كما تستطيع مصر تحصيل رسوم تسييل ونقل وعائدات لوجستية ثابتة وتستطيع ايضا توسيع شبكة الشراكات مع أوروبا في ملف الطاقة

وامتلاك ورقة جيوسياسية مهمة في معادلة أمن الطاقة الأوروبي

 

ثانيًا: خسائر مصر أو نقاط الضعف

تخلق الصفقة حساسية سياسية وشعبية ناتجة عن استيراد غاز من إسرائيل

 عدم السيطرة على سعر الغاز المنتج من المنبع

 وخطر الاعتماد الزائد إذا تراجع الإنتاج المحلي ويعتبر كلفة معنوية ورمزية تفوق أحيانًا العائد الاقتصادي المباشر أيضا ما يأخذ على الصفقة غموض نسبي حول تفاصيل بعض العقود والأسعار.

 

ثالثًا: مكاسب إسرائيل الصفقة تمنحها فتح سوق تصدير مستقر وآمن للغاز فى شرق المتوسط

والاستفادة من البنية التحتية المصرية دون استثمارات ضخمة والدخول إلى السوق الأوروبية بشكل غير مباشر أيضا تعزيز صورتها كدولة مُصدّرة للطاقة وتحقيق تطبيع اقتصادي هادئ مع الإقليم.

 

رابعًا: خسائر إسرائيل

 اعتماد شبه كامل على البنية التحتية المصرية

 محدودية القدرة على المناورة في حال تغير الموقف المصري واستمرار القيود السياسية والأمنية في المنطقة وعدم امتلاك مسار تصدير مستقل طويل الأجل.

 

خامسًا: موقف أوروبا من الصفقة

 تنظر أوروبا للصفقة باعتبارها حلًا عمليًا لا مثاليًا

 حيث تهدف الى تنويع مصادر الغاز وتقليل الاعتماد على روسيا ترى في مصر الضامن السياسي واللوجستي الأساسي

ولا تراهن على كميات ضخمة، بل على الاستقرار وتعدد المسارات

 تعتبر الصفقة جزءًا من استراتيجية طاقة مؤقتة لا دائمة فالصفقة ليست رابحًا واحدًا وخاسرًا واحدًا إسرائيل ربحت اقتصاديًا وسوقيًا زمصر ربحت موقعًا إقليميًا ونفوذًا استراتيجيًا ونجاح الصفقة مرهون ببقاء مصر مركزًا للعبور لا سوقًا دائمًا.

 أما أوروبا، فترى في الصفقة أداة إدارة أزمة لا حلًا نهائيًا.

صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل ليست صفقة مثالية، لكنها تعبير عن توازن مؤقت فرضته ظروف دولية ضاغطة، حيث ربح كل طرف شيئًا، وخاطر بشيء آخر.

زر الذهاب إلى الأعلى