أخبارالعرب وافريقياعاجل

الأمم المتحدة تعلن مدينة الفاشر مسرح جريمة

المحرر السياسى:

 اعلنت الأمم المتحدة مدينة الفاشر «مسرح جريمة» ويمثل الاعلان تحولاً نوعياً فة ما يجري في دارفور وفي السودان عموماً لأن هذا الإعلان ينقل الفاشر من كونها ساحة اشتباك عسكري إلى فضاء مُعرّف قانونياً وسياسياً بوصفه مكاناً ارتُكبت فيه أو يُشتبه بوقوع جرائم جسيمة ذات طابع دولي وهو توصيف له تبعات بعيدة المدى تتجاوز اللحظة الراهنة لتطال مستقبل الصراع ومسارات العدالة والسلام معاً .

فمصطلح «مسرح جريمة» في الأدبيات الأممية والقانون الدولي الإنساني يُستخدم عندما تتوافر قرائن قوية على ارتكاب انتهاكات جسيمة مثل جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية ويعني عملياً أن المكان بات خاضعاً لمنطق التوثيق الجنائي وحفظ الأدلة وليس فقط للإغاثة الإنسانية أو الوساطة السياسية وهو ما يضع ما حدث في الفاشر ضمن إطار قانوني مشابه لما شهدته دارفور في بدايات الألفية أو ما عُرف لاحقاً في تجارب البوسنة ورواندا حيث بدأ التوصيف الأخلاقي ثم تبلور لاحقاً في ملفات اتهام دولية هذا الإعلان يحمل في جوهره تمهيداً صريحاً لفكرة المساءلة حتى وإن لم يُذكر ذلك مباشرة إذ إن وصف المدينة كمسرح جريمة يعني أن الانتهاكات لم تعد مجرد ادعاءات إعلامية أو روايات متضاربة بل وقائع يُشتبه في أنها قابلة للإثبات عبر الشهادات والصور والأقمار الصناعية وتقارير المنظمات وهو ما يجعل كل طرف يسيطر فعلياً على الأرض مسؤولاً قانونياً عن حماية المدنيين وعن كل ما وقع ويقع داخل هذا النطاق الجغرافي سياسياً .

يكشف الإعلان عن فشل الدولة السودانية بوضعها الحالي في الاضطلاع بوظيفتها الأساسية المتمثلة في حماية مواطنيها ويعكس في الوقت نفسه إدانة غير مباشرة للطرف العسكري الذي يفرض سيطرته على الفاشر إذ ينزع عنه أي شرعية أمر واقع ويحوّل السيطرة العسكرية من «إنجاز ميداني» إلى عبء قانوني وأخلاقي فالأمم المتحدة حين تصف مدينة ما بأنها مسرح جريمة فهي لا تعترف بالسيطرة بل تُجرّم نتائجها وتعيد تعريف المكان بوصفه مساحة انتهاك لا سيادة وهو ما يقوض أي خطاب يسعى لتطبيع الوضع القائم أو تقديمه كترتيب أمني مؤقت على المستوى الإنساني يتكامل هذا التوصيف مع تحذيرات يونيسف حول المستويات غير المسبوقة لسوء تغذية الأطفال في شمال دارفور ليؤكد أن ما يجري في الفاشر لا يقتصر على العنف المباشر بل يمتد إلى أشكال العنف البنيوي مثل التجويع والحرمان والتهجير القسري وتدمير شروط البقاء وهي ممارسات ينظر إليها القانون الدولي على أنها جرائم محتملة إذا ثبت أنها ناتجة عن سياسات أو أفعال متعمدة أو عن منع وصول المساعدات الإنسانية وعندما يصبح أكثر من نصف الأطفال المفحوصين مصابين بسوء تغذية حاد فإن المدينة تتحول من مجرد مكان للقتال إلى بيئة تنتج الموت البطيء وهو ما يعمّق دلالة وصفها كمسرح جريمة لا كمدينة منكوبة فحسب.

 توقيت الإعلان لا يقل أهمية عن مضمونه إذ يأتي في لحظة تصاعد عسكري وانسداد سياسي وتراجع نسبي للاهتمام الدولي بالحرب السودانية مقارنة بملفات إقليمية أخرى ما يجعله بمثابة إعادة إدراج لدارفور في صدارة المشهد الدولي ورسالة ضغط متعددة الاتجاهات تحذر أطراف الصراع من أن استمرار الانتهاكات سيقود إلى تدويل أوسع للملف وتذكّرهم بأن الإفلات من العقاب ليس مساراً مضموناً مهما طال أمد الحرب كما يبعث بإشارة واضحة إلى أن أي تسوية سياسية مستقبلية تتجاهل ملف الجرائم والانتهاكات ستكون تسوية هشة ومهددة بالانهيار إن إعلان الفاشر «مسرح جريمة» يفتح عملياً الباب أمام مسارات جديدة تبدأ بتكثيف التوثيق والتحقيق وقد تنتهي بإجراءات مساءلة دولية سواء عبر المحكمة الجنائية الدولية أو عبر آليات خاصة وهو يعيد طرح السؤال الجوهري الذي ظل مؤجلاً في التجربة السودانية هل يمكن بناء سلام مستدام دون مواجهة إرث الجرائم القديمة والجديدة معاً وفي هذا السياق تصبح الفاشر ليست فقط مدينة منكوبة أو ساحة حرب بل وثيقة مفتوحة للاتهام وشاهداً مبكراً على أن الصراع في السودان دخل مرحلة لم يعد فيها توصيف المعاناة كافياً بل بات توصيف الجريمة هو اللغة الوحيدة القادرة على الإحاطة بما يجري وعلى تحميل المسؤوليات في حاضر مفتوح على مستقبل شديد التعقيد.

زر الذهاب إلى الأعلى